الفصل الثالث: الهجرات السكانية
الفصل الثالث: الهجرات السكانية
مدخل
...
الفَصلُ الثَّالِث: الهجرات السكانية
مقدمة:
تعد الهجرة عنصرا رئيسيا من عناصر الدراسة السكانية؛ ذلك لأنها فيما عدا الزيادة الطبيعية تعد المصدر الوحيد لتغير حجم السكان، ومع هذا فإن دراستها ليست ميسرة مثل دراسة المواليد والوفيات؛ وذلك لاختلاف البيانات بينهما اختلافا جوهريا، وإذا كانت الهجرة عاملا مؤثرا في نمو السكان فإنها تؤثر بالتالي في خصائصهم الديموغرافية والاقتصادية حيث يعد التغيير في التركيب العمري والنوعي مثلا نتاجا هاما من نتائج الهجرة من الأقاليم أو إليها، ولما كان صافي الهجرة يعني انتقال السكان من مكان لآخر فإن ذلك يعيد توزيع السكان في أي منطقة مما يترتب عليه من نتائج إيجابية كتوفر الأيدي العاملة وزيادة فرص الحصول على المدرب منها، أو نتائج سلبية مثل زيادة عبء الإعالة في المناطق المهاجر منها وخلق كثير من المشكلات السكانية والإسكانية في المناطق المهاجر إليها.
والهجرة ظاهرة جغرافية تميز بها السكان على مر العصور، وتماما كما يهتم دارس النبات والحيوان بتوزيع وهجرة أنواع الحياتين النباتية والحيوانية فإن دارس جغرافية السكان يهتم هو الآخر بالحركة الجغرافية للبشر، وتعكس معظم الحركات السكانية رغبة الإنسان في مغادرة منطقة ما تصعب معيشته بها إلى منطقة أخرى يعتقد في إمكان العيش بها بصورة أفضل وأحسن، وليس ذلك في الهجرات الدولية فقط بل في الهجرات المحلية كذلك مثل انتقال الأيدي العاملة من مكان لآخر وانتقال سكان الريف للعيش في المدن وانتقال السكان من المناطق المزدحمة إلى المناطق الأقل ازدحاما وهكذا.
وعلى ذلك فإن الدوافع للهجرة قد تكون واحدة في الغالب والعامل المشترك الأعظم بينهما هو عدم الرضا Dissatisfaction عن البيئة الأصلية للمهاجرين مما يحفزهم للانتقال نحو بيئة أخرى أكثر ملاءمة، وتشترك معظم الهجرات في ذلك ابتداء من الانتقال الموسمي للعمال الزراعيين مثلا إلى موجات الهجرة الضخمة لتعمير مناطق حديثة العهد بالاستيطان -مثل الخروج الأوربي العظيم نحو العالم الجديد-.
وللهجرة أنماط متعددة ويتميز كل منها بخصائص ديموغرافية خاصة وإن كان يقصد بها عموما الانتقال الجغرافي من منطقة لأخرى وهي تنقسم إلى قسمين من حيث الاستمرار والدوام هما الهجرة الدائمة Life-time migration والهجرة المؤقتة Temporary migration ولسهولة الدراسة فإنه يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام رئيسية من حيث المدى والاتجاه وهي:
1- الهجرات الدولية وتتمثل في الانتقال السكاني عبر حدود الدول أي من دولة لأخرى.
2- الهجرات الداخلية، أو المحلية وهي تتمثل في انتقال السكان فيما بين أجزاء الدولة الواحدة.
3- الهجرة الدورية Rhythmic Migrations أو المؤقتة: وتتمثل في الانتقال الجغرافي من مكان لآخر لفترة محددة ثم ما يلبث المهاجرون أن يعودوا إلى مواطنهم الأصلية بعد ذلك وأبرز أمثلتها هجرة الأيدي العاملة والانتقال الموسمي لبعض السكان.
ويلاحظ أن النوع الثالث من الهجرات السكانية قد يتدرج جزئيا تحت واحد من النوعين السابقين، فقد تضم الهجرة الدولية مثلا هجرة الأيدي العاملة من دولة لأخرى لفترات محددة وتعرف بهجرة عمال الأهداف كما في أفريقيا المدارية مثلا كذلك فقد تضم الهجرات الداخلية نفس الظاهرة أي انتقال الأيدي العاملة من مكان لآخر داخل الدولة الواحدة لفترات محددة. كذلك قد تضم هجرات لجماعات سكانية Trans humance وفي مسالك محددة كانتقال رعاة الجبال إلى السهول أو الانتقالات من مناطق الحشائش الفقيرة إلى تلك المناطق الغنية بمراعيها.
الهجرة الدولية
مدخل
...
الهجرة الدولية:
يشمل هذا النوع من الهجرات الانتقال السكاني عبر حدود الدول ليس فقط الدول المجاورة بل ومن قارة إلى أخرى، وليست المسافة ذات اعتبار كبير في تعريف هذا النوع من الهجرة ذلك لأن الأوكراني الذي ينتقل مثلا للعمل في فلاديفوستك يقطع مسافة أكبر بكثير من البولندي الذي يهاجر للعمل في فرنسا بالرغم من أن الأول يتحرك داخليا عبر حدود دولة واحدة بينما انتقل الثاني عبر حدود أكثر من دولة ومن ثم يدخل في عداد الهجرة الدولية.
وعلى ذلك فإن دراسة الهجرة الدولية تبدو سهلة في ضوء هذا التعريف البسيط لها واعتمادا على سجلات الهجرة عند حدود الدول، ولكن ما ينبغي ملاحظته هو أن الاعتماد على هذه السجلات لا يؤدي إلى دراسة دقيقة، ذلك لأنها قد لا تحوي كل الحقائق عن المهاجرين من ناحية كما أنها سجلات لحظية من ناحية أخرى تسجل حالة المهاجر وقت عبور الحدود دون اعتبار للتغيير الوظيفي والاجتماعي الذي سيطرأ عليه في دولة المهاجر بعد ذلك كذلك قد لا تتوافق بيانات الهجرة للدولة الموفدة مع بيانات الدولة المستقبلة فعلى سبيل المثال لا تتفق البيانات التي تنشرها ألمانيا عن المهاجرين الألمان إلى الأرجنتين مع تلك التي تنشرها الأرجنتين عن هؤلاء الأشخاص الوافدين إليها.
ولا تعني الهجرة الدولية الانتقال الجغرافي عبر الحدود السياسية بقصد الاستقرار الدائم في المهجر فقط بل إنها تضم أنواعا أخرى أهمها الهجرة المؤقتة لبعض السكان ويرتبط ذلك بمغادرة بعض المهاجرين لمواطنهم الأصلية في دولهم للعمل فترة من الزمن في دولة أخرى ثم ما يلبثوا أن يعودوا لدولهم مرة أخرى بعد أن يكونوا ثروة تساعدهم على العيش في مستوى أعلى مما كانوا عليه قبل الهجرة، وتسود هذه الظاهرة في كثير من المناطق مثل صقلية في جنوب إيطاليا واليونان وبعض مناطق جنوب شرق أوروبا مثل ألمانيا أو بلغاريا حيث يتميز المهاجرون العائدون من الأمريكتين إلى وطنهم بمستوى معيشي مرتفع وفضلوا العودة لقضاء بقية حياتهم في موطنهم الأصلي ولقد كانت الهجرة المؤقتة سمة هامة لحركة الهجرة نحو أمريكا الجنوبية، ذلك أنه في الأرجنتين مثلا فيما بين سنة 1910 وسنة 1950 لم يستقر بها من جملة المهاجرين إليها وعددهم 14.159.876 مهاجرا فقط استوطنوها بصفة دائمة.
وتعكس هذه الظاهرة مدى التلاؤم مع العيش في البيئة الجديدة التي يهاجر إليها الفرد وعودته إلى موطنه الأصلي نتيجة عدم قدرته على التكيف الدائم مع المهجر وإن كان كثير من أبناء هؤلاء المهاجرين وأحفادهم يستمرون في دولة المهجر مكونين بذلك جيلا من المهاجرين الدائمين أكثر ارتباطا بالمهجر من الوطن الأم.
الهجرة الدولية الأوروبية:
أسهمت قارة أوروبا الصغيرة المساحة والواقعة في أقصى الطرف الشمالي الغربي من العالم القديم أكثر من أي قارة أخرى في العالم في الهجرة الدولية فقد شهدت هجرة مغادرة ضخمة في المائة وخمسين سنة الأخيرة حتى إنه يقدر أن عدد الأوروبيين الذين غادروا قارتهم إلى باقي أقاليم العالم يتراوح بين 50 - 60 مليون نسمة اتجه أكثر من نصفهم إلى أمريكا الشمالية، وقد قدر معدل الهجرة الدولية الخارجية من أوروبا فيما بين سنتي 1846 - 1931 بنحو 3 في الألف سنويا من مجموع السكان الأوروبيين.
ولم يكن الخروج الأوربي جديدا بل جاء في أعقاب حركة الكشوف الجغرافية على أكتاف الرواد الأوروبيين الأوائل، وقد تمثل هذا الخروج المبكر في هجرة أعداد من الفرنسيين والإنجليز والهولنديين والبرتغاليين والإسبان منذ القرن السادس عشر نحو جزر الهند الغربية وسواحل الأمريكتين وأفريقيا والهند، ولكن الهجرة الضخمة ذات الأعداد الكبيرة ارتبطت بتزايد سكاني كبير شهدته أوروبا وواكبه تطور في وسائل النقل وكذلك تزايد في الثروات المكتشفة في العالم الجديد مما شجع الكثيرين على الهجرة إلى أقطار هذا العالم وإلى بعض مناطق العالم القديم أيضا.
ويمكن أن تنقسم قصة الهجرة الأوروبية الضخمة إلى مراحل عديدة: فقد عبرت أولى موجاتها المحيط الأطلسي فيما بين سنتي 1850 - 1855 والثانية نحو سنة 1875 والثالثة فيما بين سنتي 1885 - 1890 والرابعة وهي الأكثر أهمية فيما بين سنتي 1905 - 1913 والخامسة في سنة 1925 والسادسة بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، ولقد شهدت سنة 1913 أكبر عدد من المهاجرين يغادر القارة في أي سنة من السنوات حيث بلغ 1.527.000 نسمة منهم 565.000 إيطالي و 389.000 بريطاني و 206.000 إسباني و 104.000 نمساوي، وكان شمال غرب أوروبا أكثر أقاليم القارة دفعا بأبنائه للهجرة عبر المحيط وأسهمت بعض أقطاره بنسبة عالية من المهاجرين فقد أرسلت الجزر البريطانية واسكنديناوه وبلجيكا وهولنده بما يقرب من 25 مليون مهاجر ثلثا هذا العدد من البريطانيين وحدهم وقد اتجه 56% من هؤلاء إلى الولايات المتحدة و 15% إلى كندا و 5% إلى استراليا و 5% إلى جنوب أفريقيا.
وقد بدأت أقطار أوروبية أخرى في الإسهام بعدد من المهاجرين فقد خرج من ألمانيا نحو 7 ملايين مهاجر في الفترة من 1878 - 1892 وكذلك فيما بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، كما هاجر حوالي 10 ملايين إيطالي خاصة بعد سنة 1885، ذهب 42% منهم إلى الولايات المتحدة و 21% إلى البرازيل و20% إلى الأرجنتين و10% إلى فرنسا، وإن كان الكثيرون منهم قد عادوا إلى الوطن الأم لقضاء بقية عمرهم به. ومنذ بداية القرن العشرين بدأت دول وسط وشرق أوروبا في الإسهام في حركة الهجرة الخارجية نحو العالم الجديد، وقد بلغ عدد المهاجرين 20 مليونا من النمسا والمجر و 3 ملايين من شبه جزيرة أيبيريا و 700.000 من اليونان ومثلهم من الروس والبولنديين.
الهجرة الأوروبية فيما وراء البحار:
تعد الهجرة التي خرجت من أوروبا أكبر حركة في التاريخ وقد بدأ تيار الهجرة عبر المحيط قبل القرن التاسع عشر عقب اكتشاف الأمريكتين واستعمارها على يد الإسبان ولكن قدر أنه في الفترة من سنة 1821 حتى سنة 1910 غادر أوروبا 26 مليون مهاجر على الأقل نحو الولايات المتحدة وحدها. وقد تباينت أجزاء القارة في تيارات الهجرة الخارجة منها ولكن من المؤكد أن كل دول القارة الأوروبية قد أسهمت في حركة الهجرة حتى أصبحت المهاجر البعيدة تضم خليطا متميزا بخصائص الشعوب الأوروبية مجتمعة، وكانت دوافع الهجرة مشتركة بين كل الأقطار الأوروبية وأحيانا كانت تبدو ذات تأثير جماعي وأحيانا أخرى يبدو تأثيرها انفراديا حسب فترة التطور الاقتصادي ومستواه السائد.
وقد عانت أوروبا من التضخم السكاني مبكرا -أي أن مواردها كانت غير كافية لأعداد السكان المتزايدين بها، فالاقتصاد الزراعي تعرض لإجهاد التربة وزيادة الضغط السكاني على الأرض حتى أصبح كثير من المزارعين بدون أراضٍ ومن ثم أصبحت روابطهم بالأرض معدومة، ثم جاءت ميكنة الزراعة وجعلت الهجرة أمرا ضروريا ملحا، وقد تحققت الرغبة في الهجرة عندما اكتشفت أراضٍ واسعة في العالم الجديد، وفي عروض ملائمة مناخيا لاستيطان الأوروبيين، وعندما أصبحت وسائل النقل الحديثة قادرة على نقل أعداد ضخمة من المهاجرين عبر المحيط.
وفي القرن السادس عشر غادر ثلاثة ملايين إسباني بلادهم نحو أمريكا وتوالى تيار الهجرة الأوروبية بعد ذلك ووصل إلى ذروته في فترات محددة خاصة بين سنة 1850 وبين 1880، 1889 ثم في أوائل القرن العشرين ومن ناحية أخرى فقد هبط منحنى الهجرة الأوروبية الخارجية هبوطا حادا عقب الحرب العالمية الأولى وذلك لفرض الولايات المتحدة قيودا على الهجرة إليها واتجاه كثير من الدول الأوروبية إلى الإصلاح الزراعي ومحاولة بعضها الحد من هجرة الأيدي العاملة بها.
ولم تؤثر الهجرة الأوروبية المغادرة في كل الدول الأوروبية في وقت واحد فقد بدأت مبكرة للغاية في إسبانيا والبرتغال، وحتى أوائل القرن التاسع عشر كانت تتضمن أساسا الإنجليز والاسكتلنديين والأيرلنديين والألمان والفرنسيين وعندما وفرت الملاحة البخارية وسيلة سريعة نسبيا ورخيصة للنقل بدأت حركة الهجرة تتنوع وتسابقت دول القارة نحو الهجرة خارجها. وبدأت الحركة أولا من أقطار شمال غرب أوروبا خاصة إنجلترا وإسكتلندا وأيرلنده والدول الإسكندنافية وألمانيا، ثم جاء بعد ذلك الإسبان والإيطاليون من الجنوب، ثم تلاهم من شرق أوروبا.
وكان العالم الجديد هو المهجر الرئيسي للمهاجرين من أوروبا واتجه تيار الهجرة الرئيسي حتى سنة 1914 نحو الولايات المتحدة وقد بلغ أقصاه في فترات زمنية سابقة كما حدث في الفترة من سنة 1851 - 1860 - 1890 - 1900 - 1914 وفي بعض الفترات كان عدد المهاجرين إلى الولايات المتحدة أكثر من مليون أوروبي في السنة الواحدة، وتتمشى الفترات الثلاثة لتدفق المهاجرين بمعدلات عالية مع ثلاثة دوافع رئيسية فالأولى تمشت مع الضغط الديموغرافي في القارة الأوروبية والثانية تمشت مع الزيادة السريعة في استعمار الغرب الأمريكي والتصنيع في الشمال الشرقي من الولايات المتحدة والثالثة كانت مواكبة للنمو الاقتصادي الصناعي فيها بصفة عامة.
ولكن تيار الهجرة الأوروبية للولايات المتحدة تعرض لتغير جوهري في حجمه وذلك بسبب القانون الذي أصدرته في سنة 1921 والخاص بتحديد حصص المهاجرين إليها وكان السبب وراء هذا القانون هو رغبة الطبقة العاملة الأمريكية في المحافظة على مستوى معيشتها المرتفع، كذلك رغبة الأمة الأمريكية كلها في المحافظة على تجانسها كدولة أنجلو ساكسونية وكان لذلك تأثير جذري على الخروج الأوروبي نحو أمريكا الشمالية فقد قل حجمه إليها بدرجة كبيرة.
وقد اتجهت تيارات هجرة نحو أقطار الكمنولث، ولكنها كانت مقيدة بتشريعات خاصة لتحديد عدد المهاجرين غير البريطانيين إلى هذه الأقطار بل ولحماية الطبقة العاملة في الدول المستقبلة من منافسة العمال الوافدين حتى العمال البريطانيين ذاتهم. وليس هناك دولة من دول الكمنولث أسهمت بدور كبير في استقبال المهاجرين مثلما أسهمت أستراليا وبالرغم من أن كندا لعبت دورا هاما كذلك فإنها فرضت قيودا حادة وطبقت مفهوم الانتقاء الهجري الوظيفي فكانت تفضل هجرة الفنيين والزراع والعمال الذين تحتاجهم البلاد.
وقد حاولت كثير من دول أمريكا الجنوبية جذب مهاجرين إليها من أوروبا حتى عندما حدت الدول الأنجلو ساكسونية من حركة الهجرة إليها، ومن الطبيعي أن تيار الهجرة إلى أمريكا الجنوبية تدفق من دول البحر المتوسط حيث تتشابه الظروف الحضارية مع مثيلتها في هذه القارة ولذا فإنه بين عامي 1820 - 1910 استقبلت البرازيل حوالي 2.850.000 مهاجر، 43% منهم من الإيطاليين و 38% من البرتغاليين والإسبان وما زالت الشعوب اللاتينية تكون العنصر السائد من المهاجرين نحو أمريكا الجنوبية حتى الوقت الحاضر.
كذلك استقبلت الأرجنتين في الفترة من سنة 1857 - 1910 قرابة 5.700.000 مهاجر وكان تيار الهجرة يتكون في المتوسط من 50% إسبان و 25% إيطاليين. وما زالت بيرو وكولومبيا وفنزويلا من المهاجر التي يتجه إليها بعض المهاجرين من شعوب البحر المتوسط وخاصة إسبانيا.
وقد اتجهت الهجرة الأوروبية فيما بعد الحرب العالمية وخاصة من شمال وغرب القارة إلى كندا أو الولايات المتحدة والأوقيانوسية أما جنوب أوروبا فقد تميزت الهجرة المغادرة منه باتجاهها في معظمها إلى أمريكا اللاتينية حيث تتشابه اللغات والعادات والديانة وقد اتجه أكثر من نصف المهاجرين من جنوب أوروبا إلى هذه القارة واتجه الإسبان إلى الدول الناطقة باللغة الإسبانية بينما اتجه البرتغاليون إلى البرازيل.
وهكذا لعبت الهجرة الأوروبية دورا في حياة العالم السكانية والاقتصادية فقد ترتب عليها نتائج بارزة وعميقة في كل مظاهر الحضارة خاصة في العالم الجديد فقد أدخلت حاصلات زراعية جديدة وحيوانات مستأنسة وخلفت تيارات ضخمة للتجارة بين العالم الجديد والعالم القديم، حتى إن التأثير الأوروبي في العالم -أو ما ما يعرف بأَوْرَبَة العالم- كان من أبرز معالم التاريخ البشري الحديث في كل مجالات الحضارة، وإن نظرة واحدة للعالم اليوم تبين لنا مدى الدور الذي لعبته الهجرة الأوروبية في العصر الحديث ولنا أن نتصور العالم الجديد "الأمريكتين واستراليا" إذا لم يتدفق عليه الأوروبيون ويجعلوه امتدادا بشريا حضاريا لقارتهم الأصلية.
الهجرة الداخلية
تعد الهجرة الداخلية من المظاهر الهامة لحركة السكان داخل الإقليم أو القطر، ومن الصعب قياسها على المستوى القومي إلا إذا تضمنت التعدادات بيانات عن المهاجرين ومواطنهم الأصلية وتواريخ قدومهم إلى أماكن العد، وتختلف عوامل الجذب والطرد للمهاجرين من بيئة لأخرى بطريقة تجعل تيارات الهجرة تأخذ اتجاهات مختلفة على رقعة الدولة وينظر إلى العوامل الاقتصادية على أنها أكثر العناصر المؤثرة في الهجرة جذبا وطردا وكذلك فإن العوامل الديموغرافية التي تتمثل في ارتفاع معدلات النمو السكاني وتزايد الضغط البشري على الموارد الاقتصادية تؤثر هي الأخرى في طرد كثير من السكان من تلك البيئات التي تتميز بهذه المعدلات العالية وعموما فإنه في دراسة دوافع الهجرة يكون الفصل بين عامل وأخر صعبا وذلك للترابط الكبير بينها وتفاوت الأهمية النسبية لعامل عن الآخر ومن بيئة لأخرى.
وتعد الهجرة من الريف إلى الحضر Rural - Urban Migration أهم مظاهر الهجرة الداخلية وخاصة في الدول التي أخذت بأسباب التنمية الصناعية حديثا مما أثر في تقدمها الاقتصادي وارتفاع دخول أفرادها في القطاعات المرتبطة بالصناعة، ودفع بأعداد كثيرة من السكان الريفيين إلى الاتجاه نحو المراكز الحضرية والتي غالبا ما تكون مراكز رئيسية للصناعة.
وتكون الهجرة عاملا هاما من عوامل نمو المراكز الحضارية وتختلف درجة إسهامها في هذا النمو باختلاف العوامل الكامنة في تلك المراكز وقدرتها على جذب مهاجرين إليها ويقابل ذلك بطبيعة الحال وجود عوامل طرد في البيئات الأصلية للمهاجرين تحفزهم على الهجرة وتتفق معظم دول العالم النامي في تلك الظاهرة والتي تجلب في تدفق أعداد كبيرة من سكان الريف إلى المدن ارتفاعا يفوق متوسط معدل النمو في القطر كله، ولعل في مصر مثل واضح على ذلك حيث يبدو التفاوت الشديد في معدل الزيادة السكانية السنوية في المحافظات الحضرية والمحافظات الريفية فالأولى يصل معدل النمو السنوي بها إلى أكثر من 3% "القاهرة 4.5%" والإسكندرية "3.1%"، أما الثانية فهي أقل من ذلك حيث يتراوح هذا المعدل بها بين 1.5% و 2.5% سنويا.
وكما سبق، فليست هذه الظاهرة في نمو المدن وقفا على مصر وحدها بل إنها عالمية وخاصة في الدول النامية، فالملاحظ أن االمناطق الريفية يزداد فيها ضغط السكان على الأرض الزراعية مما يدفع بالكثير من سكانها إلى التفكير في الهجرة وخاصة إذا كان هذا الضغط السكاني مرتبطا بانخفاض المستوى المعيشي وبديهي أن عوامل الطرد في أماكن المغادرة يقابلها عوامل جذب في أماكن الوفود وأبرز عوامل الجذب الحضري تزايد فرص العمالة وتوفر الخدمات المتعددة وتسهم وسائل المواصلات وخاصة السكك الحديدية في إيجاد تيارات هجرة على امتدادها.
نتائج الهجرة
مدخل
...
نتائج الهجرة
للهجرة نتائج واضحة في حجم وتوزيع وتركيب السكان في منطقتي الأصل والوصول، ويمكن أن تتحدد أهم هذه النتائج في النواحي التالية:
1- تغير حجم السكان.
2- تغير التركيب العمري والنوعي للسكان.
3- مشكلات الاختلاط السكاني في المهجر.
4- النتائج الاقتصادية.
تغير حجم السكان:
يعد تغير حجم السكان من أبرز نتائج الهجرة، وتتحدد ملامح هذا التغير في اتجاهين عكسيين أحدهما يتمثل في زيادة السكان في المناطق المستقبلة سواء كانت مدنا أو مناطق زراعية حديثة العهد بالاستيطان، والآخر يتمثل في تناقص عدد السكان في المناطق المرسلة "مناطق الأصل" خاصة الريف الذي يتعرض باستمرار لتناقص سكاني Depopulation بسبب الهجرة والمغادرة.
وتبدو هذه الظاهرة بجلاء في الهجرة الدولية بين مناطق الطرد ومناطق الجذب ولعل في أيرلنده والولايات المتحدة ما يدل على ذلك خاصة في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ففي سنة 1819 كان عدد سكان الولايات المتحدة 5.8 مليون نسمة ارتفع هذا الرقم ليصل إلى 76 مليون نسمة في أوائل القرن العشرين ثم إلى 180 مليون نسمة في سنة 1960.
ويرجع هذا النمو السكاني الكبير إلى الزيادة الطبيعية والهجرة الوافدة والواقع أن دور الهجرة في هذه الزيادة كان كبيرا تراوح بين 30 - 40% من مجموع الزيادة الكلية للسكان كما يبين الجدول رقم "5".
جدول رقم "5": تطور دور الهجرة في الزيادة الكلية لسكان الولايات المتحدة
الفترة نسبة النمو الطبيعي نسبة الهجرة الوافدة %
1870 - 1880 71.5 28.5
1880 - 1890 57.1 42.9
1890 - 1900 68.5 31.5
1900 - 1910 58.2 41.8
1910 - 1920 64.4 35.6
1920 - 1930 77.6 22.4
1930 - 1940 94.1 9.5
1940 - 1950 94.6 5.4
وقد قابل هذا التزايد السكاني في الولايات المتحدة تناقص سكاني في أوروبا بطبيعة الحال والتي كانت القارة الرئيسية التي أوفدت المهاجرين إلى العالم الجديد، ففيما بين سنتي 1820 و 1943 هاجر 7% من سكان سويسرا و 11% من سكان إيطاليا إلى الأمريكتين، ولكن من كل دول القارة تبقى أيرلنده خير دليل على الأثر الذي أحدثته الهجرة في تناقص عدد السكان، فقد استقبلت الولايات المتحدة ثلاثة أخماس المهاجرين الأيرلنديين في القرن التاسع عشر، ولكن بعد ذلك وفي الفترة من سنة 1900 - 1924 اتجه الأيرلنديون إلى أقاليم الدومينيون ومنذ سنة 1931 استقبلت إنجلترا حوالي 70% من المهاجرين الأيرلنديين وتعرض سكان أيرلنده للنقص الكبير في حجمهم نتيجة هذه الهجرة المغادرة بمعدلات كبيرة.
الهجرة والنمو الحضري:
يعد النمو الحضري الذي شهده العالم في المائة سنة الأخيرة من السمات البارزة في نمط توزيع السكان، وقد أسهمت الهجرة إلى المراكز الحضرية بدور كبير في توازن السكان بين الحضر والريف.
وقد نشأت المدن الكبرى منذ عهود بعيدة حتى بالرغم من عدم توفير وسائل نقل بدرجة كافية تربطها بأقاليمها المجاورة، ومع ذلك فقد بلغت أحجام بعضها حدا كبيرا، فمدينة باريس مثلا بلغ عدد سكانها 498.000 نسمة في عهد لويس الثالث عشر و 518.000 في عهد نابليون الأول، ولكن بعد ذلك بخمسين عاما فقط تعدت المليون نسمة، وذلك في سنة 1860 ثم وصلت إلى 6.7 مليون نسمة سنة 1950 وفي نفس الفترة فإن لندن التي لم يزد عدد سكانها على نصف مليون نسمة في نهاية القرن السابع عشر نمت وتضخمت حتى وصلت إلى قرابة المليون نسمة في سنة 1801، ثم وصلت إلى 2.362.000 نسمة بعد ذلك بستين عاما فقط في سنة 1861، وتزايد عدد سكانها بمعدل كبير حتى وصل إلى قرابة 11 مليون نسمة سنة 1960.
وعلى ذلك فإنه يمكن القول بأن القرنين التاسع عشر والعشرين قد شهدا توسعا ضخما في العمران الحضري، ويمكن الاستنتاج أن جذور هذا التوسع الكبير ترجع إلى عدة عوامل أبرزها استيعاب نسبة المهاجرين الذين لفظتهم المناطق الريفية لعوامل الطرد الكامنة فيها.
وتتميز المدن بانخفاض معدل الزيادة الطبيعية إذا قورنت بالريف -كقاعدة عامة- ولذا فإن نسبة كبيرة من نموها السكاني ترجع إلى تدفق تيارات الهجرة المستمرة نحوها. وتتعدد الأمثلة في دول العالم على ذلك، ففي البرازيل مثلا كانت نسبة الزيادة الطبيية في ثمان مدن رئيسية بها أقل من نصف الزيادة الناجمة عن الهجرة "في الفترة من عام 1940 - 1950"، وفي فرنسا نمت باريس في العقدين الأخيرين بمعدل يصل إلى ضعف مثيله على مستوى القطر كله، وفي مصر فإن معدل النمو السكاني لمدينة القاهرة يصل إلى أكثر من ضعف مثيله على مستوى الجمهورية.
وقد أدت هذه الهجرات إلى زيادة سكان الحضر كما سبق القول بدرجة أوصلت نسبتهم إلى أكثر من أربعة أخماس سكان المملكة المتحدة وأكثر من نصف سكان ألمانيا الغربية والدانمرك واستراليا وفلسطين المحتلة وأكثر من نصف سكان الولايات المتحدة وبلجيكا والأرجنتين وكندا ونيوزيلندا وإسبانيا والسويد وهولنده وفرنسا وشيلي والنرويج وفنزويلا والنمسا.
ويرتبط نمو المدن بمعدلات الهجرة إليها والتي تؤدي إلى تزايد سكان المدينة الأصلية أو التوابع التي تنشأ وتتضخم حولها، وتعد هذه الظاهرة سمة واضحة في المدن الكبرى في العالم، فالإقليم الحضري urban region لمدينة نيويورك مثلا يحوي 15 مليون نسمة، وتزايد بنحو ثلاثة ملايين نسمة في العشرين سنة الواقعة بين 1940 - 1960، وكذلك فإن عدد سكان مجمعة طوكيو الكبرى "طوكيو - يوكوهاما" يصل إلى 13.6 مليون نسمة، ولندن الكبرى يسكنها 11.5 مليون نسمة وهكذا.
لا تختلف المدن المتوسطة الحجم عن المدن العملاقة في دورها في جذب تيارات الهجرة، وإن كانت معدلات الهجرة تختلف من مدينة لأخرى حسب عوامل الجذب والطرد الكامنة في هذه المدن وفي مناطق إرسال المهاجرين.
وقد بلغ عدد سكان المدن التي يزيد حجم كل منها على 100.000 نسمة 1413 مدينة في العالم "في الستينات"، وتتميز بأن عددها يتزايد بسرعة مذهلة، ففي الولايات المتحدة مثلا كان عدد هذه المدن 68 مدينة في سنة 1920 ولكنه ارتفع إلى 130 مدينة سنة 1960، وفي فرنسا تزايد العدد من 15 مدينة إلى 34 مدينة في هذين التاريخين على الترتيب، ويتزايد مع هذا العدد بطبيعة الحال نسبة سكان الحضر إلى جملة سكان القطر بصورة مطردة.
وترتبط الهجرة الريفية - الحضرية بتوطن الصناعة الحديثة ارتباطا وثيقا ولذلك فقد أصبحت المدن مراكز توطن صناعي وجذب سكاني بمعدلات تفوق متوسط معدل النمو في الدولة مرتبطة في ذلك بخطط التنمية الصناعية حتى أصبحت ظاهرة النمو الحضري في الأقطار النامية الآخذة بأسباب التصنيع أبرز السمات الديموغرافية في حركة السكان وتوزيعهم.
وبالإضافة إلى ما سبق فإن قوة جذب المدن تكون انتقائية selective بالنسبة للمكان المهاجر منه كما يبدو ذلك في توزيع المهاجرين إلى الحضر حسب مكان المولد ومع ذلك فقد لا يقيم المهاجرون إلى المدينة بصفة دائمة بل إن هناك حركة عودة دائمة لبعض الأفراد إلى المناطق الريفية أو إلى مدن أخرى صغيرة أو كبيرة حسب عوامل الطرد والجذب وتأثيرها المختلف على المهاجرين.
تغير التركيب العمودي والنوعي
...
2- تغير التركيب العمري والنوعي:
سبق القول بأن الهجرة تتميز ببعض الخصائص الديموغرافية سواء في التركيب العمري أو النوعي أو الاقتصادي للمهاجرين، ومن أبرز الخصائص ظاهرة الانتقاء الهجري migration selectivity، أي اختيار المهاجرين ونوعيتهم، وانعكاس ذلك على خصائص السكان في مكاني الأصل والوصول، ويعني ذلك ببساطة أن المهاجرين ليسوا من عينة عشوائية من السكان في مكان الأصل ذلك لأن الأشخاص الذين يستجيبون إلى مجموعة من العوامل الإيجابية والسلبية في كلا المكانين لهم قدرات مختلفة للتغلب على العوائق الوسيطة ولذا فإن أبرز سمات الهجرة هي الشباب -والذكور منهم على وجه الخصوص- وتؤدي حركة الهجرة لهذه الفئة العمرية إلى تغير في التركيب السكاني في المجتمع المهاجر منه والمجتمع المهاجر إليه ويبدو ذلك بمقارنة الأهرام العمرية النوعية للسكان في كلا المجتمعين.
ومن الظاهرات الأخرى المتعلقة بالهجرة أن خصائص المهاجرين تميل إلى أن تكون وسطا بين خصائص السكان في مكاني الأصل والوصول، ذلك لأن الأشخاص المهاجرين لا يفقدون خصائصهم الأصلية كلية بعد الهجرة، كما أنهم يبدأون في اكتساب خصائص أخرى في مجتمعهم الجديد، وقد أوضحت كثير من الدراسات هذه الظاهرة، فخصوبة المهاجرين على سبيل المثال تعد وسطا بين خصوبة السكان في الموطن الأصلي وفي المهجر.
3- مشكلات الاختلاط السكاني في المهجر:
لعل أبرز النتائج المترتبة على الهجرة اختلاط العناصر السكانية في المهجر مع ما يترتب على ذلك الاختلاط من مشكلات عرقية ولغوية مختلفة سواء بالنسبة للسكان المهاجرين أو السكان الأصليين، ولا تخلو خريطة العالم السكانية من مثل هذه المشكلات التي تبرز بوضوح في المهاجر الكبرى مثل أمريكا الشمالية والجنوبية وجنوب أفريقيا واستراليا.
وقد سبق القول بأن مناطق المهاجرين في العالم شهدت اختلاطا عرقيا كبيرا لعل في أمريكا الجنوبية المدارية مثلا واضحا عليه، وبالرغم من أن المهاجرين إليها قد انصهروا في بوتقة بشرية واحدة بينهم توجد بينهم نزعات التفرقة العنصرية كما هي الحال في أمريكا الشمالية، فإن هناك نزعات قومية لدى بعض جماعات المهاجرين حديثا للتركيز في مناطق منفصلة عن الجماعات الأخرى ويبدو ذلك بوضوح في المهاجرين الإيطاليين أو الألمان في جنوب البرازيل.
وتظهر المشكلات العرقية بوضوح في المناطق التي هاجرت إليها العناصر الأوروبية الأنجلو ساكسونية كما هي الحال في أمريكا الشمالية أو جنوب أفريقيا أما في استراليا ونيوزيلند فلم تظهر هذه المشكلات لقلة عدد السكان الأصليين.
أما الاختلافات اللغوية فقد تؤدي إلى مشكلات للسكان في المهجر كذلك، فحتى بين المهاجرين الذين عاشوا متجاورين مدة طويلة من الزمن مثل الإنجليز والفرنسيين في كندا والبوير والإنجليز في جنوب أفريقيا فإن كلا منهما يحاول المحافظة على لغته وتقاليده وشخصيته، ففي كندا مثلا، بالرغم من أن السكان ذوي الأصل الإنجليزي يكونون 50% من السكان سنة 1941 فإن 57% من السكان يعتبرون الإنجليزية لغتهم الأصلية كما أن أربعة أخماس السكان يتحدثون بها.
وتظل اللغة الأصلية سائدة لدى المهاجرين، ولا تهمل إلا عند الجيل الثاني أو الفئات خاصة بين الذكور الذين يدخلون سوق العمل ويضطرون إلى التحدث بلغة المهجر السائدة حتى يتمكنوا من كسب عيشهم، وعلى أية حال فإن المهاجرين الذين يفدون في جماعات كبيرة يحافظون على لغتهم الأصلية كما تفعل الأسر البولندية التي وصلت إلى فرنسا في العشرينات من هذا القرن وفي بعض مناطق البرازيل والأرجنتين مازالت بعض الجماعات تتحدث الإيطالية وحتى الفرنسية بدرجة أكبر من اللغة القومية وهي البرتغالية.
وعلى النقيض مما سبق فإن الهجرات الاستعمارية التي أدت إلى انتشار المؤثرات الثقافية كان لها تأثير عكسي، فقد أدخلت اللغات الأوروبية إلى مناطق واسعة من العالم وأصبحت هذه اللغات الدخيلة أهم وسائل الاتصال والتفاهم بسهولة بين السكان، ويبدو ذلك بوضوح في كثير من الدول التي استعمرتها بريطانيا وفرنسا على وجه الخصوص والتي كانت تزخر بالعديد من اللغات ثم اتخذت لغة المستعمر لغة رسمية لها.
4- النتائج الاقتصادية للهجرة:
تتمثل النتائج الاقتصادية للهجرة في عدة وجوه أبرزها انتقال رءوس الأموال والمساعدات المالية المباشرة؛ وذلك لأن المهاجرين يدخلون أموالا إلى المهجر عند انتقالهم إليه، كذلك فإن المهاجر لا ينقطع عن وطنه الأصلي، وتقدر الإحصاءات في الولايات المتحدة أنه عند قيام الحرب العالمية الأولى كان المهاجر الإيطالي يرسل إلى أسرته بإيطاليا أربعة أمثال ما يرسله المهاجر الإنجليزي، كما كان المهاجر اليوناني يرسل عشرة أمثال المهاجر الألماني؛ ذلك لفقر دول جنوب أوروبا، ولذا فقد كان دخل إيطاليا من أموال المهاجرين الإيطاليين في الخارج يوازي نصف دخلها من السياحة والملاحة البحرية معا، وبالمثل فقد كانت تساوي جملة الدخل من السياحة والملاحة البحرية معا، وبالمثل فقد كانت الأموال التي يرسلها المهاجرون الجزائريون العاملون في فرنسا كثيرة، ويقدر أنها بلغت في سنة 1955 ما يعادل دخل الإنتاج الزراعي للجزائر في تلك السنة،وبالإضافة إلى انتقال رءوس الأموال من المهجر إلى الوطن الأصلي للمهاجرين فإن الهجرة تكلف مناطق الاستقبال وتزيد من أعبائها الاقتصادية فبالإضافة إلى ما تتحمله الدولة المستقبلة من أجور الانتقال "كاستراليا مثلا التي تتولى نقل المهاجرين إليها على نفقتها" فإن هناك أعباء أخرى تتمثل في تجهيز المساكن والأراضي والخدمات المتعددة للمهاجرين الجدد.
وإلى جانب هذه النواحي المالية المترتبة على الهجرة فإن هناك نتائج اقتصادية أخرى في منطقتي الأصل والوصول، فتحظى المناطق الأخيرة بالعناصر الشابة القادرة على العمل والتي تستنزفها من مناطق الطرد، وغالبا ما تكون هذه العناصر أكثر فئات السكان حركة ويدعمها تدريب ومستوى أعلى من باقي السكان خاصة المستوى التعليمي والمهني "تعرف باستنزاف العقول" brain drain وهكذا تفقد تلك المناطق ثمرة غرسها باستمرار وتتعرض للفقر السكاني وفقدان العمالة المتقدمة والماهرة.
غير أن الهجرة ليست في كل الأحوال ذات نتائج سلبية على سكان المنطقة الأصلية بل قد تكون ذات فوائد أخرى مثل رفع مستوى المعيشة بهذه المنطقة حيث يقل الضغط السكاني على الموارد المحلية والخدمات المتوفرة، كما قد يظهر في المناطق الريفية عمالة ناقصة under employment وتختفي البطالة من المراكز والمناطق الصناعية بل وقد تتعرض لعمالة زائدة over employment في بعض الأحيان.
ومن أبرز النتائج السيئة التي تترتب على الهجرة أن هناك قطاعا كبيرا من سكان المناطق المختلفة يهاجرون بدافع الفقر الشديد في بيئاتهم ويؤدي ذلك إلى نتائج وخيمة حيث يكونون عبئا ثقيلا على المنطقة المستقبلة كما هي الحال في الهجرة المستمرة من الريف إلى الحضر في الدول النامية حيث تعجز هذه المدن عن توفير العمالة أو الخدمات المختلفة لجموع المهاجرين، وهذه حال مدن الدول النامية التي يفد إليها المهاجرون غير المدربين والذين تلفظهم بيئاتهم القاسية في الريف ويعيشون في المدينة في مستوى منخفض ويكونون قطاعا هامشيا من سكانها ويترتب على وجودهم الكثير من المشكلات الاجتماعية، ففي مدن الهند مثلا تنام جموع المهاجرين في الشوارع ويهيمون على وجوههم متضورين جوعا -كما في شوارع بمباي- ولا تختلف معظم مدن الدول المتخلفة عن ذلك كثيرا.
__
1 George, P., Geographie de la population, que - sais - Je ?
1187: Presses universitaires de France Parie, 1973, P. 8.
1 Thempson W & Lewis, D,. Population problems, Mc Graw-Hill Book company. New York, 1965, p. II.
وراجع أيضا كتاب: فتحي محمد أبو عيانة: جغرافية السكان، بيروت، 1981، ص243- 279.
1 معدل المواليد هو نسبة عدد المواليد إلى سكان منتصف السنة مضروبا في الألف.