• !
×

rasl_essaher

اتخاذ الإخوان واختيارهم

اتخاذ الإخوان واختيارهم
اختارها من عيون الأخبار لابن قتيبة الدينوري بتصرف
د: عثمان قدري مكانسي


  • كان يُقال : أعجزُ الناس من فرّط في طلب الإخوان ، وأعجز منه مَن ضيّع مَن ظفِر به منهم ؛ فالوصول إلى صديق صدوق كاستخراج الذهب من مكامنه ، وما أسهل إضاعة الأصدقاء بإهمالهم أو الإساءة إليهم .
    • ويُحكى أن داوود عليه السلام قال لابنه سليمان عليه السلام : " يا بنيّ ؛ لا تستبدلَنّ بأخ لك قديمٍ أخاً مستَفاداً ما استقام لك ، ولا تستقلّن أن يكون لك عدوّ واحد ، ولا تستكثرَنّ أن يكون لك ألف صديق " فالعدو مصدر القلق والترح ، والصديق يُدخل عليك السرور والمرح .
  • والغالب من الناس يظن أن الغنى بالمال ، وهو براحة البال ، وكثرة الأحباب . قال الشاعر ابن الأعرابي :
    لعمرُك ما مال الفتى بذخيرة ولكنّ إخوان الثقاتِ الذخائرُ
    وقال حكيم : رأيت الدنيا وذخائرها تالفة إلا ذخيرة الأدب وعقيلة الخُلّة ، فاستكثرْ من الإخوان واعتصمْ بعرا الأدب . وكان يُقال : الرجل بلا إخوان كاليمين بلا شمال ، وقال الشاعر :

    إذا لم يكن للقوم عزّ ولم يكن --- لهم رجل عند الزمان مكين
    فكانوا كأيد أوهن الله بطشَها --- تُرى أشمُلاً ليست لهنّ يمين

  • وقال أحدهم أيوب السختياني " إذا بلغني موتُ أخ لي فكأنما سقط عضو مني " وقد قال الشاعر :

    أخاك أخاكَ ؛ إنّ من لا أخاً له --- كساعٍ إلى الهيجـا بغير سـلاح
    وإن ابنَ عم المرء فاعلم جناحُه --- وهل ينهض البازي بغير جناح

    أقول : وليس شرطاً أن يكون ابن عمك خيراً من صديقك ، إلا أنها دعوة عشائرية وفكرة قبلية ، وكثيراً ما يكون الأقارب عقارب .
  • وكثرة الأصدقاء قوة على الضيم ونصرة للحق ، وطرد للذل وشعور بالعز . يقول الشاعر الثقفيّ :

    من كان ذا عدد يُدركْ ظُلامتَه --- إن الذليل الذي ليست له عَضُدُ
    تنبـو يـداه إذا مـا قـَلّ نـاصـرُه --- ويأنف الضيمَ إن أثرى له عدَدُ

    أقول : على أن لا يرى نفسه قوياً فيبطر ويظلم ، إن كثيراً ممن شعر بقوته مع ضعف في دينه ومروءته انقلب ظالماً لا يرعوي إلى الحق .
  • كما أن التقي إذا لم يصادقْك لم يبغضك ولم يعادِك ، أما صحبة الفاسق فثقيلة على النفس ، وتودي إلى المهالك ، إن الصاحب ساحب . قال الشاعر :

    وبغضاء التقيّ أقـل ضيـراً --- وأسـلم من مـَودّة ذي الفـُسـوق
    ولن تنفكّ تُحسَدُ أو تُعادى --- فأكثرْ ما استطعتَ من الصديق

  • وقال المأمون : الإخوان ثلاث طبقات ؛
    1- طبقة كالغذاء ، لا يُستغنى عنه .
    2- وطبقة كالدواء لا يُحتاج إليه إلا أحياناً .
    3- وطبقة كالداء ، لا يُحتاج إليها أبداً .
  • وقال الحسن بن عليّ رضي الله عنهما : " من أدام الاختلاف إلى المساجد أصاب ثمانيَ
    1-آية مُحكمة؛ 2- وأخاً مُستَفاداً ؛ 3- وعلماً مُستَطرَفاً ؛ 4- ورحمة مُنتظَرة ؛ 5-6- وكلمة تدله على هدىً أو تردعه عن ردىً ؛ 7-8- وترك الذنوب حياءً أو خشية . رضي الله عن الإمام الراشديّ الخامس الحسن بن علي ، فقد نسي الناس أنه حكم عشرة أشهر تمّ بها ثلاثون سنة راشدة من حكم الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ .

  • ويقول أحد العارفين : الصاحب رُقعة في قميص الرجل ، فلْينظُر أحدكم بِمَ يَرْقع قميصَه . وقال : ما وجدنا شيئاً أبلَغَ في خير أو شر من صاحب .
  • وقال يونس : اثنانِ ما في الأرض أقلُّ منهما ؛ درهمٌ يوضَع في حقّ ، وأخٌ يُسكن إليه في الله .
  • وقال علقمة بن لبيد العُطارديّ لابنه ينصحه نصيحة بليغة : يا بنيّ إذا نزَغَتـْك إلى صحبة الرجال حاجة فاصحب منهم :
    1- مَن إن صحبتـَه زانك ، وإن خدمتَه صانك ، وإن أصابَتْك خصاصة مانك ( بذل لك المؤونة )
    2- وإن قلتَ صدّق قولَك ، وإن صُلْتَ شدّ صولتَك ، وإن مدَدْت يدك بفضل مدّها ، وإن رأى منك حسنة عدّها .
    3- وإن سألْتَه أعطاك ، وإن سكَتّ عنه ابتداك ، وإن نزلتْ بك إحدى المُلِمّات آساك ،
    4- من لا يأتيك منه البوائق ، ولا تختلف عليك منه الطرائق ، ولا يخذُلك عند الحقائق .
    5- وإن حاول حويلاً آمَرَك ( شاورك فيما يريده) وإن تنازعتُما مُنْفِساً آثرك ( يفضّلك على نفسه بالخير ) .
    أقول : إنها نصائح رائعة تُكتب بماء الذهب ، ويُحافظ عليها في شَغاف القلوب ، يقتنصها الأديب الأريب ، والذكي اللبيب ، ويعمل بها العاقل النديّ ذو الفؤاد البهي .
    وقال الشاعر في هذا :

    إن أخاك الصدقَ من كان معك --- ومن يضرّ نفسَه لينفعك
    ومن إذا ريبُ الزمان صدَعَك --- شتت فيك شمله ليجمعك

  • وكتب رجل إلى صديقه يمدحه لما رأى فيه من خير ومروءة : أنت يا صديق كما قال الأعشى :

    منْ ليس في خيره منٌّ فيفسده --- على الصديق ولا في صفوه كدَر
    وليس فيه إن استنظرته عَجَلٌ --- وليـس فيـه إذا يـاسـَرتـَه عُـسُـرٌ

    وقال شاعر آخر في أخيه :

    إذا كان إخوان الرجال حرارةً --- فأنت الحلالُ الحلو والباردُ العذبُ
    لنـا جانـبٌ منه دميثٌ وجانـبٌ --- إذا رامـَه الأعـداءُ مركبُـه صعب
    وتـأخـُذُه عنـد المكـارم هِـزّةٌ --- كما اهتزّ تحت البارح الغُصُن الرطب

  • وبكى الشعراء إخوانهم بقلوب دامية إذ فقدوهم ، فقال أحدهم :

    أبكي أخـاً يتـَلقـّاني بنـائـله --- قبل السؤال ويلقى السيف من دوني
    إن المنايا أصابتني مصائبها --- فاسـْتعجَلَت بـأخ قد كـان يكفيـني

    وقال غيره :

    أخٌ طـالـمـا سـرّني ذِكـْرُه --- فأصبحتُ أشجى لدى ذكره
    وقد كنت أغدو إلى قصره --- فـأصبحت أغدو إلى قبـره
    وكـُنـْت أراني غنـِيـّـاً بـه --- عن الناس لو مُد في عمره
    إذا جئـتـُه طـالبـاً حاجـة --- فأمـري يجـوز على أمـره

  • والحقيقة أن الصديق الصدوق كالجوهرة النادرة ، ولا ترى الأصدقاء إلا أيام الرخاء ،أما في أيام الشدة فلا وجود لهم كما يقول أمير --- المؤمنين علي رضي الله عنه

    ولا خيـْر في ودّ امرئ متـَلـَوّن --- إذا الريح مالت مال حيث تميل
    جوادٌ إذا استغنيت عن أخذ مالِه --- وعند احتمال الفقر عنك بخيل
    فما أكثـَر الإخـوانَ حين تعُدّهم --- ولكـنّهـُم في النـائـبــات قـليـل
بواسطة : rasl_essaher
 0  0  465