الزيارة والتلاقي
روى عثمان بن سودة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من عاد مريضاً أو زار أخاً ناداه مناد من السماء : أن طبتَ وطاب ممشاك وتبوّأت من الجنة منزلاً " فهي دعوة من نبي الحب والود إلى المسلمين والبشرية جمعاء أن يتقاربوا ويتزاوروا ، فَرَبّ السماء سبحانه يجزيهم الحياة السعيدة في الدنيا والمنزلة الرفيعة في الدار الباقية .
وكان يُقال : "امش ميلاً وعُد مريضاً ، وامش ميلين وأصلح بين اثنين ، وامش ثلاثة أميال وزُرْ أخاً في الله " . وهذه حكمة تدعو للقاء المثمر للأخوة ، الداعم للصداقة . والمسلم عنوان البر والإيجابية في الحياة ، فما أجمل أن تزور مريضاً وأن تصلح بين المتخاصمين وأن تنشئ علاقة طيبة مع أخ لك في الله؟! .
وما أجمل قول علي بن الجهم في الصحبة والزيارة :
أبلغْ أخاً ما تولّى اللهُ صحبَتَنا --- أنّي وإن كنتُ لا ألقـاه ألقـاهُ
وأن طرفيَ موصول برؤيته --- وإنْ تباعد عن مثوايَ مثواهُ
الله يعـلـم أنـي لســت أذكـُره --- وكيف أذكرُه إذ لستُ أنسـاهُ
فصحبته في الله باقية سواء لقيه أم غاب عن ناظره ، إنّ قلبه موصول به متعلق برؤيته ، وإنه دائماً معه في كل آن .
وفي هذا المعنى يقول أحدهم : قد جمعتنا وإياك أحوالٌ لا يُزري بها بعدُ اللقاء ، ولا يُخِلّ بها تنازحُ الديار .
ويعتبر سهل بن هارون أن من روعة الحياة أن تلتقي من يمتاز بشمائل عالية وأخلاق سامية :
وما العيشُ إلا أنْ تطول بنائل وإلا لقاء المرء ذي الخلق العالي
ويروي ابن قتيبة أنه قرأ في كتب حكماء الهند أن ثلاثة أشياء تزيد في الأنس والثقة : 1- الزيارة في الرحل ( مكان الإقامة ) 2- والمؤاكلة ، 3- ومعرفة الأهل والحشم ( أن يتعرف أهلك على أهل المزور فتزداد الألفة وتتوثق الصداقة ) .
وكتب رجل إلى صديقه يستحثه على الوصال : مثـَلـُنا أعزّك الله في قرب تجاورنا وبُعد تزاوُرنا ما قال الأوّل :
ما أقرب الدار والجوار وما --- أبعد مع قـُربـِنا تلاقينـا
وكل غفلة منك محتملة ، وكل جفوة مغفورة ،للشغف بك والثقة بحُسْن نيّتك ، وسآخذ بقول أبي قيس :
ويُكرمها جاراتُها ، فيزُرْنها --- وتعتلّ عن إتيانهنّ فتعتذر
وفي هذا المعنى كتب أحدهم إلى أخيه يستزيره : طال العهد بالاجتماع حتى كِدنا نتناكر عند اللقاء ، وقد جعلك الله للسرور نظاماً ، وللأنس تماماً ، وجعل المَشاهدَ موحشة إذْ خلَتْ منك .
ولعل الرجل يهوى لقاء من يحب ومن يستفيد منه ، ألم يقل بشار بن بُرد في هذا :
يسقط الطير حيث تلتقطُ الحـَـــــــــبَّ وتُغشى منازل الكرماء
فالإنسان يأوي إلى من يرتاح له فائدةً مادية أو معنوية ، يقول الشاعر في هذا :
تثاقلْتُ إلا عن يد أستفيدُها --- وزَورةِ ذي وُدّ أشدّ به أزري
وقال رجل لصديقه : قد تصدّيت لقائك غيرَ مرّة ، فلم يُقضَ ذلك . فقال له الآخر : كل بر تأتيه فأنت تأتي عليه ( تصله وتنال خيره ) .
ولعل والودّ والتفاهم يزيد في الآصرة ويُقوّي العلاقة خاصة إذا كان الرجلان متماثلين ، وقد أنشد الشاعر في هذا المعنى بيتين لطيفين فقال :
أزور محمّداً ، وإذا التقينا --- تكلـّمَتِ الضمـائـر في الصـدور
فأرجع لم أَلُمْه ولم يَلُمني --- وقد رضي الضمير عن الضمير
لكنّ كثرة الزيارات وطول الزيارة يبعث الملل والقـِلى في النفوس وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " زُرْ غِبـّاً تزدَدْ حبـّاً " . وقد وصف الأصمعي صاحباً له فقال : كان يكره الزيارةَ المُمِلّة ، والقعدة المُنسِيَة . وقد أنشد شاعر :
إذا شئتَ أن تـُقلى فَزُر متتابعاً --- وإن شئتَ أن تزداد حباَ فزُرْغِبـاً
وأنشد آخر بيتين ممتلئين حكمة وأدباً ، فقال :
أَقلِلْ زيارتـَك الصديــ --- ــــقَ يراك كالثوب استَجَدّه
إنّ الصـديـق يُمِلـّــه --- ألاّ يـزال يــراك عنــده
وقد أخطأ الشاعر فلم يجزم جواب الشرط ، ولو وضع ( يجدْك ) بدل يراك لاستقام الوزن والمعنى .
إلا أن زيارة الكريم ولقاءه شفاء وراحة ، ولقاء اللئيم مرض وسقام ، وهذا ما أحسَن وصفَه شاعر متمكن ذو علم بهذين النوعين المتناقضين من الناس :
وماليَ وجهٌ في اللئام ولا يدٌ --- ولكنّ وجهي في الكرام عريضٌ
أصِحّ إذا لاقـَيتـُهُـم ، وكأنني --- إذا أنـا لاقـَيـْتُ الـّلئـامَ مريـضٌ