نزهة في بديع الجِناس
قرأت اليوم ما تيسر من القرآن الكريم ، ثم عطفت على رياض الصالحين فعشت بين مغانيه ساعة من الزمن في باب الملاحم والفتن ، ثم رأيتني أعود في ذكرياتي إلى السبعينات من القرن الماضي وإلى مجالس الشيخ عبد الحميد كشك وخطبه التي طبّقت الآفاق أتذكر صوته القويّ الجليّ وحديثه بعد كل خطبة ، ثم رأيتني أردد جمله المشهورة ، التي يكثر فيها الجناس " إن الدنيا إذا حلت أوحلت ، وإذا كست أوكست ، وإذا جلتْ أوجلت ، وكم ملك رُفعت له علامات ، فلما علا مات " . فرأيتني أعوج إلى رياض البديع المحبب إلى النفوس " الجناس "
فجمعت طاقة منه أقدمها هدية إلى الأحباب من أهل الأدب والفكر والثقافة والعلم .
يقول أهل البلاغة في تعريف الجناس :
الجناس (بكسر الجيم) : تشابه لفظين، مع اختلافهما في المعنى. وهو أضرُبٌ كثيرة ,, ولنبدأ بالجناس التام فهو سيّد الموقف .
الجناس التام: ما اتفق فيه اللفظان المتجانسان في أمور أربعة: 1- نوع الحروف، 2- وعددها، 3- وهيئتها، 4- وترتيبها مع اختلاف المعنى،
كقوله تعالى: " ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة "
فالساعة الاولى: يوم القيامة،
والساعة الثانية: ما نعرفه من الزمان.
وقال تعالى : قال تعالى :
" يكادُ سنا برقه يذهبُ بالأبصار ، يقلبُ الله الليلَ والنهار إنَّ في ذلكَ لعبرةً لأولي الأبصار"
- ومن الأمثلة الشعرية قول الشاعر :
فدارِهم مادمت في دارهم .
وأرضِهم) مادمت في أرضهم .
و(حيّهم) مادمت في (حيّهم . - وقول الشاعر :
لو زارنا طيف بنت العمّ أحيانا --- ونحن في حفر الأجداث أحيانا - وقول الشاعر:
عضّنا الدهر بنابه ليت ما حلّ بنا به - وقول الشاعر :
إذا ملكٌ لم يكن ذاهبه فدعه ، فدولته ذاهبة - وقول الشاعر في رثاء بغداد حين هدمها التتار القدماء :
إن لم تقرح أدمعي أجفاني --- من بعدِ بعدكُمُ فما أجفاني؟! .
وقول الشاعر :
طرقت الباب حتى كلّ متني --- فـلـمـا كـلّ متـْنـي كلّمتـْنـي
فقالت لي أيا اسماعيلُ صبراً --- فقلت لها أيا اسما عيلَ صبري
وقول أحدهم يتغزل بحبيبته :
مثل الغزال نظرةً ولفتة ً --- من ذا رآه مقبلاً وما افتتنْ
وذلك بقراءة اللفتة بالتنوين .
وقول أحدهم :
قبورنا تـُبنى ونحن ما تـُبنا
ياليتنا تـُبنا من قبل أن تـُبنى
وقول أحدهم :
فهِمت كتابك ياسيدي --- فهمت ولا عجبٌ أن أهيما
وقول الشاعر :
فلم تضعِ الأعادي قدر شاني --- ولا قالوا فلانٌ قد رشاني - وقول الشاعر :
أحسن خلق الله خلقاً وفماً --- إن لم تكن أحقّ بالحسن فمنْ؟
على وجوب لفظ تنوين الفم . - وقول الشاعر :
إلى حتفي سعى قدمي أرى قدمي أراق دمي - وقول ابو الفتح البستي :
يا من يُضيعُ عمرَه ......متمادياً في اللهو أمْسِكْ
واعلمْ بأنك لامحالةَ.........ذاهبٌ كذهاب أمسِكْ
و- قول مجنون ليلى :
أقولُ لظبي مرَّ بي وهو هائمُ : ...... أأنتَ أخو ليلي ؟ فقال : يُقَالُ
فقلت : أفي ظل الأراكةِ والغضا.......يُقالُ ويُستظلل ؟ فقال يُقَالُ - وقول المتنبي :
بسيفِ الدولةِ اتسقت أمورٌ --- رأيناها مبددة النظامِ
سما وحمى بني سامٍ وحامٍ --- فليس كمثله سامٍ وحامٍ - وقول ابو الفضل الميكالي :
قد راعني بدرُ الدجى بصدوده ووكّلَّ أجفاني بـِرعيِ كواكِـبـه
فيا جزعي مهلاً عساهُ يعود لي ويا كبدي صبراً على ما كواكِ به - وقول الآخر :
سل سبيلا إلى النجاة ودع دمــــع عيوني يجري لهم سلسبيلا - وقول الشاعر:
ناظِـراه فيما جنى ناظراه ....... أو دعاني أمت بما أودعاني - وقول غيره
سميته يحيى ليحيا ، ولم يكن --- إلى رد أمر الله فيه سبيل - وقول شاعر
قوم لوانهم ارتاضوا لما قرضوا --- أو أنهم شعروا بالنقص ما شعروا - وقول الشاعر
لا تعرضن على الرواة قصيدة --- ما لم تكن بالغت في تهذيبها
وإذا عرَضت الشعرَ غيرَ مهذّب --- ظنوه منك وساوساً تهذي بها - وكذلك الأبيات المشهورة بين الناس :
رأيت الناس قد مالوا --- إلى من عنـده مالُ
ومَن لا عنـده مال --- فعنه الناسُ قد مالوا
رأيت الناس قد ذهبوا --- إلى من عنده ذهبٌ
ومَن لا عنـده ذهب --- فعنه الناس قد ذهبوا
رأيت الناس منفضـّة --- إلى من عنده فضـة
ومَن لاعنده فضـّـة --- فعنه الناس منفضـّة - وقول الشاعر :
و كنّا عِظاماً فصِرنا عِظاماً وكنّا نَقوتُ فها نحنُ قوتُ - وقول الشاعر:
إذا ملك لم يكن ذا هبه .......... فدعه فدولته ذاهبـة - وقول الشاعر :
وكم لجباهِ الراغبين إليه .......... من مجالِ سجودٍ في مجالس جودِ - وقول الشاعر :
رأيته يضرب الناقوس قلت لــه --- من علـّمَ البدرَ ضربـــاً بالنواقيس
وقلت للنفس أي الضرب يؤلمكِ --- ضرب النواقيس أم ضرب النوى قيسي - وقول الامام الشافعي
رأيتـُكَ تكويني بِميسـم مِنـة --- كأنك كنت الأصل في يوم تكويني
فدعني من المَنّ الوخيم فبلغة ٌ --- من العيش تكفيني الى يوم تكفيني - وقول الشاعر :
أوصى لي البين أن اشقى بحبكم فقطّع البيّن أوصالي وأوصى لي - وقول أحدهم : يجلس في الصدر واسعُ الصدر.
أما الجناس الناقص فأنواع متعددة :
واقرأ معي قوله تعالى : وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة .
فاختلفت الكلمتان ناضرة وناضرة بحرف واحد .
وإليك مثالاً آخر على الجناس الناقص :
قال البهاءُ بن زهير :
أشـكو وأشــكرُ فعـْلـه --- فاعجـْب لشـاكٍ منه شاكرْ
طرفي وطرفُ النجم فيــ ---ـــــــه كلاهما سـاهٍ وساهرْ
ففي هذا المثال ثلاثة أمثلة للجناس الناقص لاختلاف الكلمتين بحرف واحد:
فالأول ( أشكو وأشكر ).
الثاني ( شاك وشاكر ).
الثالث ( ساه وساهر ).
-وقال غيره :
( رحمَ الله امرأ أمسكَ ما بين فكيه ، وأطلق ما بين كفيه ) .
فالجناس هنا ناقص للاختلاف في ترتيب الحروف لا اختلافها في النوع. - ثم يأتي الجناس الناقص باختلاف ضبط الحروف
قال عبدالله بن أحمد الميكالي :
أنكرتُ من أدمعي تترى ( سَواكبُها) --- سلي دموعي هلْ أبكي (سِواكِ بها) ؟! - وكقول الشاعر :
قد مدَّ مجدُ الدين في أيامه ......من بعض أبحر علمه (القاموسا )
ذهبتْ صحاحُ الجوهري كأنها ... سحرُ المدائن حين (ألقى موسى )
وليس المقصود بالمدائن هنا مدائن صالح إنما المدن التي جُمِع منها السحرةُ كلهم : " قالوا : أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين " .
أمثلة للجناس الناقص : - قال تعالى :
( فأَمَّا اليتيمَ فلا تَقهَرْ . وأَمَّا السائلَ فلا تَنهَرْ ) - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( غَفار غفرَ الله لها ،، وأسلم سالمها الله ، وعصية عَصت الله ) رواه مسلم . - وقال عليه الصلاة والسلام :
( الخيل معقودٌ في نواصيها الخيرُ إلى يوم القيامة ) - قيل في موت أحد الكرام حين سقط من فرسه :
" إنا لله وانا إليه راجعون ، قتل الجوادُ الجوادَ ". - قال ابن النبيه :
وتحت خيلِ القنا فرسانُ معركة ...... لها ثباتٌ وفي الهيجاء وَثـْباتُ - قال النابغة في الرثاء :
فيالك من حزمٍ وعزمٍ طواهما ...... جديد الثرى تحت الصفا والصفائحِ
وقال الشاعر :
عباس عباسٌ إذا احتدم الوغى والفضل فضلٌ ، والربيع ربيعٌ - وقال أبو نواس
مِن بحر جودك أغترف ..... وبفضل علمك أعترف - وقال أحد الشعراء:
لَيْلَى ولَيْلِي نفى نومي اختلافُهما --- في الطـُّول والطـَّول طوبى لي لو اعتدلا
يجود بالطـُّول لَيْلِي كلما بخلت --- بالطـَّول لَيلـى وإن جادت به بخلا
وقال أحدهم :
ضنيت هوىً ولكنّي علوت فخرا ...... فحبكم هو إعلالي وأعلى لي
ومن المأثور في الجناس النثري :
إن الدنيا إذا أقبلت بلت ، وإذا أدبرت برت ، وإذا أطنبت نبت ، وإذا أركبت كبت ، وإذا حلَتْ أو حلتْ ، وإذا أبهجت هجَتْ ، وإذا أسعفت عفَتْ ، وإذا أينعتْ نعَتْ ، وإذا أكرمت رمتْ ، وإذا عاونت ونَتْ ، وإذا ماجنَتْ جنَتْ ، وإذا صالحتْ لحَتْ وإذا بالغتْ لغَتْ وإذا ولّهتْ لهَتْ ، وإذا سامحتْ محَتْ ، وإذا واصلَتْ صَلَتْ ، وإذا وفّرتْ فَرَتْ ، وإذا توّهَتْ وهَتْ ، بسطَتْ سطَتْ .: