أولاً: أخطاء ما قبل الإحرام
وهذه الأخطاء لا ترتبط بأعمال الحج والعمرة مطلقاً، ولكن قد تكون مخلة بشرط صحتهما أو قادحة فيها، فقبل أن تلبس لباس الإحرام أخي الحبيب؛ تعرَّف عليها واستعن بالله على التخلُّص منها،
وهي كالتالي:-
الخطأ الأول: إهمال التوبة النصوح قبل السفر للحج أو العمرة:
ومن المعروف أن من شروط التوبة الإقلاع عن المعصية، والندم على فعلها، والعزم الأكيد على عدم العودة إليها، ثم إذا كانت هذه المعصية تتعلَّق بحق آدمي، يزيد شرط رابع وهو التحلُّل من هذا الحق واسترضاء صاحبه.
وذلك لما رواه الشيخان من حديث أبي هريرة t أن النبي قال:
"مَن كانت عنده مظلمة لأخيه من مال أو عرض؛ فليأته فليستحلَّها منه قبل أن يؤخذ، وليس عنده درهم ولا دينار، فإن كانت له حسنات أُخِذَ من حسناته فأٌعطيها هذا، وإلا أُخِذَ من سيئات هذا فألقى عليه"
والصواب: أن التوبة من أوائل ما يحرص عليه الحاج والمعتمر قبل سفره لأداء هذه العبادة.
الخطأ الثاني: الحج من أجل الرياء أو السمعة أو حيازة اللقب:
بداية ينبغي أن يعلم كل مَن أراد الحج أو العمرة، أن يقصد بحجِّه أو عمرته وجه الله تعالى والتقرب إليه، قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام 162-163]
وقال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ }
[البينة:5]
فالحذر من أن يقصد الحاج أو المعتمر بعمله حطام الدنيا، أو المفاخرة، أو حيازة الألقاب، أو الرياء والسمعة، فإن ذلك سبب في بُطلان العمل وعدم قبوله.
قال تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}
[الزمر: 65]
وقال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً} [الفرقان: 23]
وأخرج الإمام أحمد عن محمود بن لبيد t قال: قال رسول الله :
"إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: يا رسول الله ما الشرك الأصغر؟، قال: الرياء، إن الله تبارك وتعالى يقول يوم تُجازى العباد بأعمالهم أذهبوا إلى الذين كنتم تراءون بأعمالكم في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء"
ولا يتوقف الأمر عند حبوط العمل فقط، بل سيٌفضح هذا الإنسان الذي أراد بعمله الرياء أو السمعة على رءو س الأشهاد يوم القيامة.
فقد أخرج الإمام مسلم عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله :
"مَن سمٌّع سمٌّع الله به، ومَن راءى راءى الله به "
الخطأ الثالث: استهانة بعض الحُجَّاج بحقوق العباد:
فتري البعض يأكل أموال الناس بالباطل، ويقع في أعراضهم، ثم يقول هذا الإنسان لنفسه: سأذهب إلى الحج وسيمحو الله تعالى عني ذلك كله، وهذا نتيجة خطأ في فهم النصوص الواردة في فضل الحج.
- كقول الرسول في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم:
"مَن حجَّ فلم يرفث ولم يفسق؛ رجع كيوم ولدته أمه".
- وكقول الرسول في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم:
"العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة".
وغير ذلك من النصوص الذي يوهم ظاهرها أن الحج والعمرة يُسقطان حقوق العباد.
والصواب: أن الحج والعمرة مع فضلهما لا يسقطان حقوق العباد.
* والدليل على ذلك أمران:
أ الحج والعمرة ثوابهما يسقط الأوزار والذنوب ولا يسقط حقوق العباد.
قال الإمام الترمذي - رحمه الله - تعليقاً على حديث رسول الله :
"مَن حجَّ فلم يرفث ولم يفسق؛ رجع كيوم ولدته أمه".
هو مخصوص بالمعاصي المتعلقة بحقوق الله خاصة دون حقوق العباد، ولا تسقط الحقوق أنفسها، فمَن كانت عليه صلاة أو كفارة... ونحوهما من حقوق الله تعالى لا تسقط عنه؛ لأنها حقوق لا ذنوب، إنما الذنوب تأخيرها، فنفس التأخير يسقط بالحج لا هي أنفسها، فالحج المبرور يسقط إثم المخالفة لا هي. (إرشاد الساري شرح صحيح البخاري: 3/97)
ومما يدل على ذلك أيضاً:-
ب أن القتل في سبيل الله لا يسقط حقوق العباد.
أخرج الإمام أحمد والبيهقي من حديث عبد الله بن مسعود t أن النبي قال:
"القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها إلا الأمانة، قال: يؤتى بالعبد يوم القيامة وإن قُتِل في سبيل الله فيقال: أدِّ أمانتك، فيقول: أي ربِّ كيف وقد ذهبت الدنيا؟! فيقال: انطلقوا به إلى الهاوية، فينطلق به إلى الهاوية، وتـُمثـَّل له أمانته كهيئتها يوم دُفِعَت إليه فيراها فيعرفها، فيهوي في أثرها حتى يدركها فيحملها على منكبيه، حتى إذا ظنَّ أنه خارج؛ قلَّت عن منكبه فهو يهوي بها أبد الآبدين، ثم قال: الصلاة أمانة، والوضوء أمانة، والوزن أمانة، والكيل أمانة، وأشياء عدَّدها، وأشدُّ ذلك الودائع".
ومن هنا يتضح بما لا يدع مجالاً للشك: أن الحج والعمرة وإن كانا من الأعمال العظيمة التي تجعل المسلم بعد أدائها كيوم ولدته أمه، إلا أنها لا تـُسقط حقوق العباد كما يظن بعض الناس، ومنشأ ذلك من فهمهم الخاطئ للنصوص.
تنبيه: ذهب بعض أهل العلم كالحافظ ابن حجر... وغيره:
إلى أن الحج يُغفر به الصغائر والكبائر والتبعات، أي الحقوق المتعلقة بالعباد، وهذا القول وإن كان وجيه وعليه دليل، إلا أنه يُجرئ كثيراً من الناس على ظلم العباد، وهضم حقوقهم، أضف إلى هذا أن الأدلة الشرعية تشير وبقوة إلى صحة القول الأول، وهو لزوم التبرُّء من مظالم العباد، من مال أو عرض فهي لا تسقط بحج أو بغيره، فلا تسقط إلا بردِّها والتحلُّل منها.
الخطأ الرابع: عدم استرضاء مَن يجب عليهم استرضاؤه: كالوالدين أو أحد الزوجين للآخر: والصحيح أن الحاج أو الحاجة ينبغي لهما أن يسترضيا الوالدين... وغيرهما ممَّن يجب عليهما استرضاؤه، حتى لا يكون في نفوس أقربائهم منهم شيء، فلا يدري الحاج والمعتمر هل يعود إلى بلاده؟ فيُرضي مَن أساء إليه أم لا، فينبغي له أن يبادر بذلك قبل سفره للحج.
الخطأ الخامس:عدم التعلُّم العلم الشرعي للأمور التي يحتاجها عند أداء المناسك:
فكثير من الحُجَّاج والعُمَّار عند ذهابهم لأداء المناسك لا يتعلَّمون أحكام العمرة والحج وأحكام السفر من قصر وجمع، وأحكام التيمُّم، والمسح على الخفين... وغير ذلك ممَّا يحتاجه في طريقه لأداء المناسك، فمَن أراد الله به خيراً وفقه لتعليم هذه الأمور.
وصدق الحبيب النبي حيث يقول كما عند البخاري: "مَن يُرِد الله به خيراً يفقِّهُ في الدين"
الخطأ السادس: التلبُّس ببعض الذنوب والمعاصي:
نرى بعض الحُجَّاج أو العُمَّار إذا سافر لأداء مناسك الحج أو العمرة، لا ينخلع عن الذنوب والمعاصي التي كان عليها: كشرب للدخان، أو النظر للنساء، أو السب والشتم، أو الوقوع في الغيبة، وغير ذلك من المعاصي والذنوب، والتي ينبغي أن يبتعد عنها جميعاً، وخصوصاً في هذه الرحلة المباركة، فلا يؤذى أحداً بلسانه ولا بيده، ولا يتكبَّر بل يتواضع، ولا يمشي بالنميمة، ولا يقع في الغيبة، ويترك الخصومة والجدال والمماراة والكذب، قال تعالى:
الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَــــاتٌ فَمَـــنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَــجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة: 197]
الخطأ السابع: التهاون في توخي الحلال في النفقة بحجة أن الحج سيمحو كل ذلك:
والصحيح أن الحج والعمرة وإن كان ثوابهما عظيم وفضلهما جزيل، فلا يمكن أن يمحو الحرام الذي اكتسبه الحاج أو المعتمر.
- ويصدق ذلك على حج الفنانين والفنانات فمهما حجُّوا أو حجَجْن بالمال الذي اكتسبوه من الرقص والغناء والتمثيل، فإنه لا يمكن أن يكون حجهم مقبولاً ولا مبروراً؛ لأن النفقة فيه ليست من الحلال، وشرط الحج المقبول أن تكون النفقة من الحلال.
- أخرج الطبراني بسنده أن النبي قال:
"إذا خرج الحاج حاجاً بنفقة طيبة ووضع رجله في الغرز، فنادى: "لبيك اللهم لبيك"، ناداه منادِ من السماء: "لبيك وسعديك"، زادُك حلال، وراحلتك حلال، وحجُّك مبرور غير مأزور، وإذا خرج بالنفقة الخبيثة فوضع رجله في الغرز، فنادى: "لبيك" ناداه منادِ من السماء: "لا لبيك ولا سعديك" زادك حرام، ونفقتك حرام، وحجك مأزور غير مبرور"
(سنده تالف فيه سليمان بن داود)
فعلى الحاج أو المعتمر أن يطيب نفقته فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً.
إذا حَجَجتَ بمال ٍأصلُهُ سُحْتٌ فما حَجَجْتَ ولكن حجتِ العيرُ
لا يقبـلُ الله إلا كــل طيبةٍ ما كُلُ مَن حج بيت اللهِ مَبْرُورُ
الخطأ الثامن: عدم طلب الدعاء ممَّن يُرجى إجابة دُعائهم:
والحق ينبغي للحُجَّاج أن يطلبوا ممَّن يُعْتَقَد أو يظن فيه الصلاح والتقوى، بأن يدعو لهم بالسلامة في الوصول والتوفيق في أداء المناسك.
- فقد روى أبو داود والترمذي عن عمر بن الخطاب t:
"أنه استأذن النبي في العمرة فأَذِن له وقال: يا أخي لا تنسنا من دعائك، فقال كلمة ً ما يسرني بها الدنيا".
فينبغي للحاج والمعتمر أن يطلب من غيره أن يدعو له، كما ينبغي من الغير أن يطلب من الحاج والمعتمر أن يدعو له عند الأماكن التي يستجاب فيها الدعاء.
الخطأ التاسع: عدم كتابة الحاج والمعتمر وصيته بما له وما عليه عند سفره:
والصواب: أنه ينبغي كتابة وصيته عند السفر.
وذلك لقول رسول الله الثابت في "صحيح البخاري ومسلم" من حديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما-:
"ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به، يبيت ليلتين إلا وصيته مكتوبة عنده".
فإذا كانت الوصية مستحبة في كل الأوقات، فقبل السفر للحج والعمرة تكون من باب أولى، لما يترتب على السفر من المخاطر والمتاعب، ولا يدري الإنسان ماذا يلقى في هذا السفر، وهل سيعود سالماً منه أم لا؟.
الخطأ العاشر: وصية بعض الحُجَّاج لأولادهم وذويهـــم عند السفر أو عنـــد المجيء، بزخرفة البيت أو الكتابة عليه بعبارات معينة:
مثل سفر سعيد وعود حميد، أو حج مبرور وذنب مغفور، فإن هذا قد يتنافى مع الإخلاص، فينبغي للعبد ألا يقصد بحجِّه رياء ولا سمعة ولا مباهاة ولا فخراً ولا خيلاء، ولا يقصد به إلا وجه ربه ورضوانه، ويتواضع ويستكين ويخشع لربه، ويجعل عمله خالصاً لوجه.
ذهب بعضهم إلى الحج فقال: الركب كثير، فرد عليه الآخر فقال: ولكن الحُجَّاج قليل.
وقد مر بنا أنه ينبغي لمَن أراد الحج أو العمرة أن يبتغي بذلك وجه الله.
الخطأ الحادي عشر: اختيار رفقة غير صالحة:
وهذا خطأ كبير يقع فيه البعض، فعلى الإنسان إذا أراد سفراً أن يكون له في هذه الرحلة رفيق صالح، يُذكِّره إذا نسي، ويُصبِّره إذا جزع، ويُعينُه إذا عجز، أما رفقة أصحاب السوء تُفوِّت هذا الخير كله، ويستحب أن يكون هذا الرفيق من غير الأقارب تبعداً عن ساحة القطيعة.
الخطأ الثاني عشر: سفر المرأة من غير محرم:
وهذه من الأخطاء التي تهاون فيها كثير من النساء، وقد نهى النبي أن تسافر المرأة من غير محرم، فقد أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة t أن النبي قال:
"لا يحل لامرأة أن تسافر إلا ومعها ذو محرم منها" (صحيح الجامع: 7664)
وقد نهيت المرأة عن السفر من غير محرم؛ وذلك لأنها ضعيفة لا تستطيع في كثير من الأحيان الدفاع عن نفسها، أو أحياناً تضعف فسرعان ما تُخدع، وسرعان ما يغرر بها، فمن ثَمَّ نُهيت عن السفر بلا محرم.
وقد أخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس - رضي الله عنهما-أنه سمع رسول الله يخطب يقول: "لا يخلُونَّ رجلٌ بإمرأة ألا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجَّة، وقد اكتتبت في غزوة كذا، فقال له : اذهب فحج مع امرأتك".
وكما هو معلوم أن الحج يكون مع القدرة والاستطاعة، لقوله تعالى: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً } [آل عمران: 97]
فعدم وجود المحرم للمرأة في أثناء السفر يجعلها غير مستطيعة، وهى معذورة مأجورة إن شاء الله.
وهي كالتالي:-
الخطأ الأول: إهمال التوبة النصوح قبل السفر للحج أو العمرة:
ومن المعروف أن من شروط التوبة الإقلاع عن المعصية، والندم على فعلها، والعزم الأكيد على عدم العودة إليها، ثم إذا كانت هذه المعصية تتعلَّق بحق آدمي، يزيد شرط رابع وهو التحلُّل من هذا الحق واسترضاء صاحبه.
وذلك لما رواه الشيخان من حديث أبي هريرة t أن النبي قال:
"مَن كانت عنده مظلمة لأخيه من مال أو عرض؛ فليأته فليستحلَّها منه قبل أن يؤخذ، وليس عنده درهم ولا دينار، فإن كانت له حسنات أُخِذَ من حسناته فأٌعطيها هذا، وإلا أُخِذَ من سيئات هذا فألقى عليه"
والصواب: أن التوبة من أوائل ما يحرص عليه الحاج والمعتمر قبل سفره لأداء هذه العبادة.
الخطأ الثاني: الحج من أجل الرياء أو السمعة أو حيازة اللقب:
بداية ينبغي أن يعلم كل مَن أراد الحج أو العمرة، أن يقصد بحجِّه أو عمرته وجه الله تعالى والتقرب إليه، قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام 162-163]
وقال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ }
[البينة:5]
فالحذر من أن يقصد الحاج أو المعتمر بعمله حطام الدنيا، أو المفاخرة، أو حيازة الألقاب، أو الرياء والسمعة، فإن ذلك سبب في بُطلان العمل وعدم قبوله.
قال تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}
[الزمر: 65]
وقال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً} [الفرقان: 23]
وأخرج الإمام أحمد عن محمود بن لبيد t قال: قال رسول الله :
"إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: يا رسول الله ما الشرك الأصغر؟، قال: الرياء، إن الله تبارك وتعالى يقول يوم تُجازى العباد بأعمالهم أذهبوا إلى الذين كنتم تراءون بأعمالكم في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء"
ولا يتوقف الأمر عند حبوط العمل فقط، بل سيٌفضح هذا الإنسان الذي أراد بعمله الرياء أو السمعة على رءو س الأشهاد يوم القيامة.
فقد أخرج الإمام مسلم عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله :
"مَن سمٌّع سمٌّع الله به، ومَن راءى راءى الله به "
الخطأ الثالث: استهانة بعض الحُجَّاج بحقوق العباد:
فتري البعض يأكل أموال الناس بالباطل، ويقع في أعراضهم، ثم يقول هذا الإنسان لنفسه: سأذهب إلى الحج وسيمحو الله تعالى عني ذلك كله، وهذا نتيجة خطأ في فهم النصوص الواردة في فضل الحج.
- كقول الرسول في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم:
"مَن حجَّ فلم يرفث ولم يفسق؛ رجع كيوم ولدته أمه".
- وكقول الرسول في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم:
"العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة".
وغير ذلك من النصوص الذي يوهم ظاهرها أن الحج والعمرة يُسقطان حقوق العباد.
والصواب: أن الحج والعمرة مع فضلهما لا يسقطان حقوق العباد.
* والدليل على ذلك أمران:
أ الحج والعمرة ثوابهما يسقط الأوزار والذنوب ولا يسقط حقوق العباد.
قال الإمام الترمذي - رحمه الله - تعليقاً على حديث رسول الله :
"مَن حجَّ فلم يرفث ولم يفسق؛ رجع كيوم ولدته أمه".
هو مخصوص بالمعاصي المتعلقة بحقوق الله خاصة دون حقوق العباد، ولا تسقط الحقوق أنفسها، فمَن كانت عليه صلاة أو كفارة... ونحوهما من حقوق الله تعالى لا تسقط عنه؛ لأنها حقوق لا ذنوب، إنما الذنوب تأخيرها، فنفس التأخير يسقط بالحج لا هي أنفسها، فالحج المبرور يسقط إثم المخالفة لا هي. (إرشاد الساري شرح صحيح البخاري: 3/97)
ومما يدل على ذلك أيضاً:-
ب أن القتل في سبيل الله لا يسقط حقوق العباد.
أخرج الإمام أحمد والبيهقي من حديث عبد الله بن مسعود t أن النبي قال:
"القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها إلا الأمانة، قال: يؤتى بالعبد يوم القيامة وإن قُتِل في سبيل الله فيقال: أدِّ أمانتك، فيقول: أي ربِّ كيف وقد ذهبت الدنيا؟! فيقال: انطلقوا به إلى الهاوية، فينطلق به إلى الهاوية، وتـُمثـَّل له أمانته كهيئتها يوم دُفِعَت إليه فيراها فيعرفها، فيهوي في أثرها حتى يدركها فيحملها على منكبيه، حتى إذا ظنَّ أنه خارج؛ قلَّت عن منكبه فهو يهوي بها أبد الآبدين، ثم قال: الصلاة أمانة، والوضوء أمانة، والوزن أمانة، والكيل أمانة، وأشياء عدَّدها، وأشدُّ ذلك الودائع".
ومن هنا يتضح بما لا يدع مجالاً للشك: أن الحج والعمرة وإن كانا من الأعمال العظيمة التي تجعل المسلم بعد أدائها كيوم ولدته أمه، إلا أنها لا تـُسقط حقوق العباد كما يظن بعض الناس، ومنشأ ذلك من فهمهم الخاطئ للنصوص.
تنبيه: ذهب بعض أهل العلم كالحافظ ابن حجر... وغيره:
إلى أن الحج يُغفر به الصغائر والكبائر والتبعات، أي الحقوق المتعلقة بالعباد، وهذا القول وإن كان وجيه وعليه دليل، إلا أنه يُجرئ كثيراً من الناس على ظلم العباد، وهضم حقوقهم، أضف إلى هذا أن الأدلة الشرعية تشير وبقوة إلى صحة القول الأول، وهو لزوم التبرُّء من مظالم العباد، من مال أو عرض فهي لا تسقط بحج أو بغيره، فلا تسقط إلا بردِّها والتحلُّل منها.
الخطأ الرابع: عدم استرضاء مَن يجب عليهم استرضاؤه: كالوالدين أو أحد الزوجين للآخر: والصحيح أن الحاج أو الحاجة ينبغي لهما أن يسترضيا الوالدين... وغيرهما ممَّن يجب عليهما استرضاؤه، حتى لا يكون في نفوس أقربائهم منهم شيء، فلا يدري الحاج والمعتمر هل يعود إلى بلاده؟ فيُرضي مَن أساء إليه أم لا، فينبغي له أن يبادر بذلك قبل سفره للحج.
الخطأ الخامس:عدم التعلُّم العلم الشرعي للأمور التي يحتاجها عند أداء المناسك:
فكثير من الحُجَّاج والعُمَّار عند ذهابهم لأداء المناسك لا يتعلَّمون أحكام العمرة والحج وأحكام السفر من قصر وجمع، وأحكام التيمُّم، والمسح على الخفين... وغير ذلك ممَّا يحتاجه في طريقه لأداء المناسك، فمَن أراد الله به خيراً وفقه لتعليم هذه الأمور.
وصدق الحبيب النبي حيث يقول كما عند البخاري: "مَن يُرِد الله به خيراً يفقِّهُ في الدين"
الخطأ السادس: التلبُّس ببعض الذنوب والمعاصي:
نرى بعض الحُجَّاج أو العُمَّار إذا سافر لأداء مناسك الحج أو العمرة، لا ينخلع عن الذنوب والمعاصي التي كان عليها: كشرب للدخان، أو النظر للنساء، أو السب والشتم، أو الوقوع في الغيبة، وغير ذلك من المعاصي والذنوب، والتي ينبغي أن يبتعد عنها جميعاً، وخصوصاً في هذه الرحلة المباركة، فلا يؤذى أحداً بلسانه ولا بيده، ولا يتكبَّر بل يتواضع، ولا يمشي بالنميمة، ولا يقع في الغيبة، ويترك الخصومة والجدال والمماراة والكذب، قال تعالى:
الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَــــاتٌ فَمَـــنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَــجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة: 197]
الخطأ السابع: التهاون في توخي الحلال في النفقة بحجة أن الحج سيمحو كل ذلك:
والصحيح أن الحج والعمرة وإن كان ثوابهما عظيم وفضلهما جزيل، فلا يمكن أن يمحو الحرام الذي اكتسبه الحاج أو المعتمر.
- ويصدق ذلك على حج الفنانين والفنانات فمهما حجُّوا أو حجَجْن بالمال الذي اكتسبوه من الرقص والغناء والتمثيل، فإنه لا يمكن أن يكون حجهم مقبولاً ولا مبروراً؛ لأن النفقة فيه ليست من الحلال، وشرط الحج المقبول أن تكون النفقة من الحلال.
- أخرج الطبراني بسنده أن النبي قال:
"إذا خرج الحاج حاجاً بنفقة طيبة ووضع رجله في الغرز، فنادى: "لبيك اللهم لبيك"، ناداه منادِ من السماء: "لبيك وسعديك"، زادُك حلال، وراحلتك حلال، وحجُّك مبرور غير مأزور، وإذا خرج بالنفقة الخبيثة فوضع رجله في الغرز، فنادى: "لبيك" ناداه منادِ من السماء: "لا لبيك ولا سعديك" زادك حرام، ونفقتك حرام، وحجك مأزور غير مبرور"
(سنده تالف فيه سليمان بن داود)
فعلى الحاج أو المعتمر أن يطيب نفقته فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً.
إذا حَجَجتَ بمال ٍأصلُهُ سُحْتٌ فما حَجَجْتَ ولكن حجتِ العيرُ
لا يقبـلُ الله إلا كــل طيبةٍ ما كُلُ مَن حج بيت اللهِ مَبْرُورُ
الخطأ الثامن: عدم طلب الدعاء ممَّن يُرجى إجابة دُعائهم:
والحق ينبغي للحُجَّاج أن يطلبوا ممَّن يُعْتَقَد أو يظن فيه الصلاح والتقوى، بأن يدعو لهم بالسلامة في الوصول والتوفيق في أداء المناسك.
- فقد روى أبو داود والترمذي عن عمر بن الخطاب t:
"أنه استأذن النبي في العمرة فأَذِن له وقال: يا أخي لا تنسنا من دعائك، فقال كلمة ً ما يسرني بها الدنيا".
فينبغي للحاج والمعتمر أن يطلب من غيره أن يدعو له، كما ينبغي من الغير أن يطلب من الحاج والمعتمر أن يدعو له عند الأماكن التي يستجاب فيها الدعاء.
الخطأ التاسع: عدم كتابة الحاج والمعتمر وصيته بما له وما عليه عند سفره:
والصواب: أنه ينبغي كتابة وصيته عند السفر.
وذلك لقول رسول الله الثابت في "صحيح البخاري ومسلم" من حديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما-:
"ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به، يبيت ليلتين إلا وصيته مكتوبة عنده".
فإذا كانت الوصية مستحبة في كل الأوقات، فقبل السفر للحج والعمرة تكون من باب أولى، لما يترتب على السفر من المخاطر والمتاعب، ولا يدري الإنسان ماذا يلقى في هذا السفر، وهل سيعود سالماً منه أم لا؟.
الخطأ العاشر: وصية بعض الحُجَّاج لأولادهم وذويهـــم عند السفر أو عنـــد المجيء، بزخرفة البيت أو الكتابة عليه بعبارات معينة:
مثل سفر سعيد وعود حميد، أو حج مبرور وذنب مغفور، فإن هذا قد يتنافى مع الإخلاص، فينبغي للعبد ألا يقصد بحجِّه رياء ولا سمعة ولا مباهاة ولا فخراً ولا خيلاء، ولا يقصد به إلا وجه ربه ورضوانه، ويتواضع ويستكين ويخشع لربه، ويجعل عمله خالصاً لوجه.
ذهب بعضهم إلى الحج فقال: الركب كثير، فرد عليه الآخر فقال: ولكن الحُجَّاج قليل.
وقد مر بنا أنه ينبغي لمَن أراد الحج أو العمرة أن يبتغي بذلك وجه الله.
الخطأ الحادي عشر: اختيار رفقة غير صالحة:
وهذا خطأ كبير يقع فيه البعض، فعلى الإنسان إذا أراد سفراً أن يكون له في هذه الرحلة رفيق صالح، يُذكِّره إذا نسي، ويُصبِّره إذا جزع، ويُعينُه إذا عجز، أما رفقة أصحاب السوء تُفوِّت هذا الخير كله، ويستحب أن يكون هذا الرفيق من غير الأقارب تبعداً عن ساحة القطيعة.
الخطأ الثاني عشر: سفر المرأة من غير محرم:
وهذه من الأخطاء التي تهاون فيها كثير من النساء، وقد نهى النبي أن تسافر المرأة من غير محرم، فقد أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة t أن النبي قال:
"لا يحل لامرأة أن تسافر إلا ومعها ذو محرم منها" (صحيح الجامع: 7664)
وقد نهيت المرأة عن السفر من غير محرم؛ وذلك لأنها ضعيفة لا تستطيع في كثير من الأحيان الدفاع عن نفسها، أو أحياناً تضعف فسرعان ما تُخدع، وسرعان ما يغرر بها، فمن ثَمَّ نُهيت عن السفر بلا محرم.
وقد أخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس - رضي الله عنهما-أنه سمع رسول الله يخطب يقول: "لا يخلُونَّ رجلٌ بإمرأة ألا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجَّة، وقد اكتتبت في غزوة كذا، فقال له : اذهب فحج مع امرأتك".
وكما هو معلوم أن الحج يكون مع القدرة والاستطاعة، لقوله تعالى: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً } [آل عمران: 97]
فعدم وجود المحرم للمرأة في أثناء السفر يجعلها غير مستطيعة، وهى معذورة مأجورة إن شاء الله.