باب الإحرام وما يتعلق به 2
** الحديث العشرون : عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:" لا ينكح المحرم ، ولا يُنكح ، ولا يخطب" رواه مسلم.
هذا الحديث في سياق ما يحرم على المحرم لا ينكح المحرم هذا ينتظم الزوج وينتظم الزوجة فإن النكاح يكون منهما فلا تقبل المرأة النكاح ولا يقبله الزوج وهنا النفي (لا ينكح) متضمن للنهي والشارع حينما يأتي بـ (لا) النافية فهي أبلغ كثيراً مما يأتي بـ (لا) الناهية لأن النفي يقتضي النهي، وفيه إخبار على أنه هذا لا يكون شرعاً أي (النكاح) للمحرم وإذا نهى عنه الشرع ونفاه فإنه يطلب إعدامه ومن هنا ذهب بعض أهل العلم أن نكاح المحرم باطل وأن الإنسان إذا عقد على امرأة وهما محرمان أو هو محرم أو المرأة محرمة فإن النكاح باطل وعلى هذا فتوى كبار الصحابة.
وقوله (ولا ينكح) هذا يتناول الولي فهذا خطاب للولي بأن لا يزوج موليته فالمرأة لا تقبل ولا الزوج ينكح ولا الولي يعقد للمرأة ولا يخطب فهذا نهي عن النكاح ووسائله وينهي عن الجماع من باب أولى هذا بالإجماع في هذه المسألة فالجماع ووسائله وذرائعه كلها محرمة لأن الجماع أعظم مفسدات الحج بل أعظم ما نهي عنه في الحج ولا يفسد النسك حجاً أو عمرة شيء من المناهي إلا الجماع ولهذا أكد النهي عنه بالنهي عن وسائله وذرائعه. وقد تكون ذريعة وذريعة أخرى فالجماع محرم والذريعة إليه النكاح والذريعة إلى النكاح الخطبة وكلاهما محرمان.
وفي الحديث تحريم هذه الثلاثة أشياء والمباشرة وهذه بالنص (فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ... الآية) والرفث هو الجماع ودواعيه إذا جامع الإنسان قبل التحلل الأول ترتب عليه خمسة أمور:
الإثم، وفساد النسك، ووجوب المضي فيه، ووجوب الفدية وهي بدنة، ووجوب القضاء من العام القادم.
وهذه الأشياء الخمسة أما الأول فهو بالنص والإجماع لأنه مرتكب للنهي وأما الباقية فهي من فتاوى الصحابة كعمر وعلي و ابن عباس، وابن عمر، عبد الله بن عمرو وأبو هريرة وغيرهم ونقله شيخ الإسلام إجماع الصحابة والتابعين وعلى هذا عامة العلماء وأما ابن حزم فقال: لا يجب المضي في النسك الفاسد وهذا القول فاسد . وفيه أن العقد باطل وأما الخطبة فقيل مكروهة لأنها وسيلة إلى النكاح والنكاح محرم.
وقال بعضهم هي محرمة لأن الحديث سيق مساقاً واحداً وهذا هو الصحيح أن الخطبة محرمة.
وهل هناك فدية في النكاح أو الخطبة؟ الصحيح أنه ليس هناك في النكاح ولا في الخطبة فدية. إذاً الخطبة والعقد محرمان ولا فدية فيها.
فإن قال قائل هذا الحديث عارضه ما رواه البخاري من حديث ابن عباس أن النبي تزوج ميمونة وهو محرم؟
فالجواب من وجوه :
1- أن ميمونة نفسها كما في صحيح مسلم قالت (أن النبي تزوجها وهو حلال).
2- قول أبي رافع أنه قال (تزوج النبي ميمونة وهو حلال وكنت السفير بينهما) أخرجه أحمد والترمذي وغيرهما وفي إسناده مطر الوراق .
3- أن زواج النبي وهو حلال موافق للنهي هنا عن نكاح المحرم ، وما توهمه بعضهم من التخصيص ليس بشيء انظر سنن البيهقي (7/58)
4- أن يزيد بن الأصم ابن أخت ميمونة يخبر عن خالته أن النبي تزوجها وهو حلال كما أخرج مسلم في كتاب النكاح وليته أخرجه في كتاب الحج وأخبر بذلك عمر بن عبد العزيز حينما سأله عن هذا وقبل عمر بن عبد العزيز قوله كما رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح ولا شك أن الإنسان إذا كان من أهل البيت فهو أعلم بحال قريباته .
5- وجاء عن سعيد بن المسيب أنه قال (وهم ابن عباس) رواه في المسند أحمد وغيره وفي سنده بعض مقال.
والخلاصة أن أهل العلم أجمعوا على أن ابن عباس وهم في هذا الحديث.
وعند الأصحاب أنه إذا حل التحلل الأول وبقي التحلل الثاني فإنه أيضاً لا يجوز النكاح بعد هذا التحلل وذهب شيخ الإسلام وجماعة من أهل العلم إلى أنه إذا حل التحلل الأول فإن لـه أن يتزوج وهو الصحيح لأنه إنما نهى عن النكاح وهو محرم فإذا حل التحلل الأول لم يبق عليه إلا تحريم جماع النساء والأصحاب احتجوا بحديث (حل له كل شيء: قال إلا النساء) وقالوا : النساء يشمل الجماع والعقد وبعضهم قال حتى المباشرة والصحيح أن العقد جائز ولكن هل يباشر أولاً؟ يقبل أو لا؟ محل خلاف بين أهل العلم وسيأتي تحقيق القول في ذلك.
سؤال يتعلق عن الجماع قبل الوقوف بعرفة وبعد الوقوف بعرفة؟
أما المشهور عن الحنفية أنه إذا جامع بعد الوقوف فإن الحج صحيح وقالوا بأنه أمن الفوات فأمن الفساد فالنبي يقول (الحج عرفة) فإذا جامع بعد الوقوف بعرفة فإن حجه صحيح والجمهور على أن من جامع قبل التحلل الأول فإن حجه فاسد وإن جامع بعد التحلل الأول فإن حجه صحيح و لكن إحرامه فاسد عليه أن يجدد الإحرام يذهب إلى الحل ويحرم من جديد حتى يطوف ويسعى بإحرام صحيح والجمهور أجابوا عن حديث (الحج عرفة) قالوا كون الحج عرفة لا يمنع أن الإحرام بعد عرفة إحرام كامل لم يدخله النقص حتى يتحلل وكونه أمن الفوات لا يعني أنه أمن الفساد فإن حاله بعد عرفة مثل حاله قبلها ولا يخف الإحرام إلا بالرمي أو الحلق أو الطواف والسعي إذا فعلها كلها جاز لـه كل شيء وقول الجمهور أصح وأنه إن جامع بعد التعريف (الوقوف بعرفة) فإن حجه فاسد حتى يحل الإحرام بما يحل به التحلل الأول وسيأتي إن شاء الله.
** الحديث الحادي والعشرون : عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه في قصة صيد الحمار الوحشي وهو غير محرم قال ( فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه وكانوا محرمين هل منكم أحد أمره أو أشار إليه بشيء ؟ قالوا : لا قال : فكلوا ما بقي من لحمه ) متفق عليه.
** الحديث الثاني والعشرون : وعن الصعب بن جثامة الليثي رضي الله عنه أنه أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حماراً وحشياً وهو بالأبواء أو بودان فرده عليه ، وقال : " إنا لم نرد عليك إلا أنا حرم " متفق عليه.
هذان الحديثان يتعلقان بالصيد وهو منهي عنه للمحرم أي (صيد البر) لقوله تعالى (وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً... الآية) فإذا أحرم الإنسان حرم عليه الصيد وفي حديث أبي قتادة وكان هذا في سنة صلح الحديبية وكان أحرم الصحابة وهو لم يحرم فرأى حماراً وحشياً فأراد صيده فركب خيله وطلب من أصحابه أن يعطوه سوطه وقد سقط منه أو نسي أن يأخذه فلم يعطوه ثم ذهب واصطاده ثم أتى النبي فقال النبي هل منكم أحد أمره أو أشار إليه بشيء؟ قالوا : لا. قال: فكلوا ما بقي من لحمه.
هنا لم يصد أحد من المحرمين بل صاده أبو قتادة وهو حلال وأيضاً المحرمون لم يشيروا وأيضاً شيء ثالث الظاهر أنه لم يصده لهم ودل على الأمر الثالث حديث الصعب بن جثامة وهذا هو الجمع بين الحديثين في حديث الصعب بن جثامة أن النبي لم يقبله منه لأن صاده لـه عليه السلام فالمحرم إذا صاد صيداً فإن الصيد ميتة فإنه لا يحل لـه وإذا أعان على صيده فإنه لا يحل لـه وإذا صيد لـه فإنه لا يحل لـه وما سوى ذلك فحلال كما لو صاده حلال وأهداه لمحرم ولم يكن صادرة لأجله فإنه حلال وفي هذا الباب الحديث الذي رواه أحمد وأهل السنن من حديث عمرو بن أبي عمرو عن مطلب عبد الله بن حنطب عن جابر: (أن النبي قال : صيد البر حلال لكم ما لم تصيدوه أو يصاد لكم) ولكن الحديث مع أن في متنه الفيصل وأخذ العلماء بمعناه لكن في سنده (المطلب عبد الله بن حنطب لم يسمع من جابر) ولكن العلماء أخذوا بمعناه رغم ضعفه.
فالصيد لا يحرم على المحرم إلا إذا صاده أو أعان على صيده أو صيد لأجله. وفيما سواى ذلك فإنه حلال.
والحمار الوحشي معروف وسمعت شيخنا ابن باز يقول: هو ما يسمى بالوضيحي (نوع من الغزلان) ونوقش في ذلك والصحيح أنه: هو مثل الحمار الأنسي ولكنه متوحش يفر من الآدميين ومخطط البدن بالسواد ونص على ذلك الزركشي بن بهادر الشافعي في كتابه (المنثور في القواعد) ج2، ص223، وقال (إن هذا هو المؤثر في الحكم مع الاستيحاش).
فبعض أهل العلم نحى منحى الجمع بين حديث أبي قتادة وحديث الصعب ابن جثامة وقالوا إن حديث الصعب بن جثامة متأخر وحديث أبي قتادة في صلح الحديبية سنة 6هـ وحديث الصعب سنة 10هـ فهو ناسخ وفيه أن الصيد يحرم إذا أهدي للمحرم وهذا على أحد القولين في المسألة
والقول الثاني أن الجمع ممكن ولا يُصار إلى النسخ إلا إذا تعذر الجمع والمراتب: الجمع ثم النسخ ثم الترجيح والجمع ممكن وهو أنه في حديث أبي قتادة لم يعنه أحد ولم يصده لأجلهم وأما في حديث الصعب فإنه صاده لأجل النبي صلى الله عليه وسلم.
وفيه من الفوائد أن الإنسان إذا أهديت لـه هدية وهي لا تحل له يردها ويعتذر ويبين سبب عدم القبول كما بين النبي للصعب وقد كان كريماً مضيافاً فدفع للنبي الحمار الوحشي ولكن النبي اعتذر لـه وقال إنا محرمون.
وفيهما من الفوائد أن الإنسان المحرم يحل لـه الصيد الحلال إذا لم يصد لـه ولم يعن أحداً في صيده. ولو أن المحرم رأى صيداً فضحك وأخذ ينظر فنظر إليه الحلال فإذا هو يضحك وينظر فنظر إلى جهة نظره فإذا هو إلى الصيد فصاده هل يحرم أو لا؟
الجواب:
لا يحرم وهذه قصة أبي قتادة ولهذا البخاري بوب باباً (باب إذا رأى المحرمون صيداً فضحكوا ففطن الحلال). وهذا الضحك لا يعتبر إعانة.
سؤال: (جميع أنواع الإشارة تعتبر إعانة)؟
كل ما يمكن أن يسمى إشارة أو إعانة وما أشبه ذلك ممنوع.
فائدة أًخرى في حديث أبي قتادة في صيد الحمار الوحشي جواز أن يستوهب من صاحبه شيئاً ، وبوب البخاري في كتاب الهبة : باب من استوهب من صاحبه شيئاً ..فهذا جائز إذا علم طيب نفوسهم كأن يقول الشخص ناولني كذا وكذا فلا بأس قد بايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على ألا يسألوا الناس شيئاً فكان سوط أحدهم يسقط فينزل فيأخذه وهذا مبالغة في الاستغناء و إلا فهو جائز وقد ذكر البخاري في الترجمة المذكورة حديث سهل بن سعد في طلب النبي صلى الله عليه وسلم من المرأة أن تعمل له أعواد المنبر .
وكتاب البخاري كتاب عظيم أعظم كتب السنة فقهاً وحديثاً ولن تجد في كتب السنة مثل كتاب البخاري ونصيحتي لطلبة العلم أن يحفظوه أن استطاعوا لأن البخاري فقيه محدث ، فإن أبو ا فليكثروا من النظر فيه ومدارسته.
** الحديث الثالث والعشرون: عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" خمس من الدواب كلهن فواسق يقتلن في الحل والحرم (العقرب ، والحدأة , والغراب , والفأر , والكلب العقور )"متفق عليه.
هذا الحديث قوله (خمس) هذا مفهوم عدد ليس فيه الحصر وقد جاء في بعض طرق البخاري (والحية) وعند أبي داود (السبع العادي) وقوله (كلهن فواسق) الفاسق هو الخارج عن حد الاعتدال، والفسوق (الخروج) (إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه) أي خرج عن طاعة ربه وما أراده منه.
فهذه الدواب يقتلن في الحل والحرم لأذيتهن والغراب معروف: طائر خبيث يؤذي المزارعين والحدأة كذلك طائر معروف ينتشل اللحم ويسرقه وفي قصة عائشة في قصة المرأة التي كانت لها حفش في المسجد وكانت تتمثل بأبيات كثيرة منها البيت:
ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا إلا إنه من بلدة الكفر انجاني
وكانت عائشة ما جلست معها إلا تسمع هذا البيت فقالت : ما قصته؟ قالت: أني كنت عند أناس وفقدوا وشاحاً أحمر كان على إحدى جواريهم أتته الحدأة فأخذته تظنه لحماً قالت: ففتشوني حتى فتشوا (قبلها) قالت: بينما هم كذلك أتت الحدأة فرمت بالوشاح وبوب عليه البخاري (باب نوم المرأة في المسجد).
والعقرب هي الدابة المعروفة ذات السم وهذه تُقتل حتى في الصلاة والنبي أمر بقتل الأسودين كما في حديث يحيى بن أبي كثير عن ضمضم بن جوس عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو حديث صحيح والفأرة هي الدابة التي تخرق وتشق الأقمشة وتسرق الذهب كما قال بعضهم ، وتفسد الأطعمة ، وتقذر بفضلاتها . والكلب العقور قد يقال أنه اسم جنس فيشمل الأسد والنمر وفي الباب أن النبي عليه السلام قال: اللهم سلط عليه كلباً من كلابك في قصة بعض ولد أبي لهب فقتله الأسد خرجه الحاكم في المستدرك والبيهقي في دلائل النبوة وهو مشهور في أخبار السيرة لكن ليس له إسناد قائم.وقيل أنه الكلب والصحيح أنه يشمل كل كلب عقور يفترس ويعدو ويؤذي ويعقر الدواب والناس .
والدواب قال أهل العلم فيها إنها ثلاثة أقسام من حيث القتل وعدم القتل:
1) قسم أمر بقتله (كهذه الخمس والوزغ كذلك وسماه فويسقاً كما في حديث أم شريك رواه البخاري فيه وقال كان ينفخ النار على إبراهيم ، وقاس عليها العلماء كل مؤذي من الدواب.
2) قسم ينهى عن قتله (النملة، النحلة، الهدهد، الصُرد) .
3) قسم مسكوت عنه: فقال بعضهم يباح قتلها لأن سكوت الشارع عفو.وقال بعضهم: لا تقتل لأن الله خلقها لحكمة ما لم يكن حصل ضرر منها وأذية وإن كان الأصل أنها غير مؤذية والأولى تركها إذا لم تؤذ لهذا جاء النهي عن قتل الهدهد والنملة والنحلة وقد لا يكون في بعضها فائدة كالصرد وهو طائر أكبر من العصفور قليلاً والنملة قد لا يكون فيها فائدة بل قد يصير بها شيء من الإفساد بحق الأرض، والأصل في النمل أنه لا يقتل وإن أمكن دفع أذيته بغير القتل كالكنس أو النفخ بالهواء فلا يقتل إلا إذا لم يندفع شرها بالقتل قتلت.
وهل تقتل هذه الدواب الخمس ابتداءً:
تقتل ابتداءً وليس معنى هذا إن الإنسان يكون من همته طردها والبحث عنها لكن إذا عرضت لـه قتلها ويكون في قتلها امتثالاً لأمر النبي عليه الصلاة والسلام لهذا لما كان الصحابة بمنى خرجت عليهم حية فابتدروها يقتلوها فدخلت الجحر فقال النبي (كفيت شركم وكفيتم شرها).
وجاء في بعض الأحاديث تقييد الغراب بالأبقع والصحيح كل الغربان وإن صحت فيكون لشدة أذيته وجاء الأبقع في مسلم.
** الحديث الرابع والعشرون: عن ابن عباس رضي الله عنهما "أن النبي صلى الله عليه وسلم إحتجم وهو محرم " متفق عليه.
هذا الحديث المؤلف ليته أتى بسياق يدل على تعلق الحجامة بالرأس ولا أدري ما السبب في أن المؤلف اختصره وإلا لفظ البخاري (أنه احتجم في رأٍسه وهو محرم) وجاء عن ابن بحينه كذلك في الصحيحين (أنه احتجم في وسط رأسه) والزيادة هذه مهمة جداً لأنه لو لم تأت هذه الزيادة لما كان للاتيان به في هذا المكان معنى لأنه حينما كان في الرأس والرأس ينهى عن حلقه إذا كان الإنسان محرماً فلما حلقه واحتجم وقد علمنا أن الحجامة لابد فيها من أخذ الشعر كان هناك تنصيص على فائدة وهي جواز الاحتجام للمحرم وجواز أخذ بعض الشعر من الرأس إذا احتاج للحجامة لأنه لا يمكن الحجامة في الرأس إلا بأخذ الشعر بحلق جزء منه وهذا إذا فعله المحرم فهل يفدي أو لا؟ الصحيح أنه لا يفدي لأمرين:
1) أن النبي لم يفد ولم يقضي فيه بشيء.
2) أنه حلق لجزء يسير واليسير مغتفر فإنما هو بقدر المحاجم وقوله تعالى (ولا تحلقوا رؤوسكم) هذا في جميع الرأس.
** الحديث الخامس والعشرون: عن كعب بن عجرة قال : حملت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهي , فقال : ما كنت أري الوجع بلغ بك ما أرى ، أتجد شاة ؟ قلت : لا . قال فصم ثلاثة أيام , أو أطعم ستة مساكين لكل نصف صاع . متفق عليه.
كعب بن عجرة أحد الصحابة كان أصابه قمل كثير في رأسه فحمل إلى الرسول عليه السلام والقمل يتناثر على وجهه فقال: ما كنت أرى أي: أظن (أرُى) بالضم يعني أظن أما (أرى) بالفتح فهو البصر العيني. فقال أتجد شاة؟
وقوله تعالى في التنزيل (ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) على التخيير فلعله إنما قال شاة على سبيل التخيير أو الأفضلية لا على سبيل الترتيب بسبب صريح القرآن وفي حديث كعب بن عجرة (أنسك شاة أو أطعم ستة مساكين أو صم ثلاثة أيام) في بعض سياقاته وهو صريح والسياق الذي ساقه المؤلف يوهم الترتيب ومن هنا ينبغي أن يعلم أن الحافظ لم يحرر البلوغ كما ينبغي.وفيه الفدية أن الإنسان إذا حلق شعره من أجل وجود قمل أو ما أشبه ذلك لأن هذا الشعر يتعلق به النسك فكان فيه الفدية وهي على التخيير ويسمونها أهل العلم (فدية أذى) إما يذبح شاة تجزئ في الأضاحي سليمة من العيوب الممنوعة شرعاً وبلغت السن المجزية وهكذا كل دم واجب أو مستحب كالهدايا والأضاحي والعقيقة أو يطعم 6 مساكين لكل واحد نصف صاع أو يصوم 3 أيام والذبح والإطعام قال أهل العلم بمكة والصيام حيث شاء.وقعد أهل العلم قاعدة هنا وهي:
إن الإنسان إذا أتلف شيئاً لدفع أذاه لـه فإنه لا يضمن وإذا أتلفه لدفع أذاه به فإنه يضمن).
وهنا أتلف الشعر لدفع أذاه به فإن الأذى متعلق بالقمل لا الشعر ولا يمكن إذهاب القمل إلا بحلق الشعر فأتلف الشعر لدفع أذى القمل لـه ومثل ذلك لو أن إنساناً صال عليه جمل أو شاه ولم يكن يستطيع دفع أذاها إلا بالقتل فإنه لا يضمن لأنه أتلفها لدفع أذاها لـه فهي مؤذية لـه لم يندفع شرها إلا بالقتل.
ولكن لو أنه جاع جوعاً شديداً وأراد دفع أذى الجوع عنه بذبح هذا الجمل أو الشاة فإنه يضمن لأنه دفع أذى الذي لحقه بإتلاف هذا الجمل أو الشاة وهي للغير فإنه يكون ضامناً. وعليه كما قال أهل العلم: لو أن إنساناً انكسر ظفره وآلمه أو سقطت شعرة في عينه وكانت الشعرة هي المؤذية فقطعها وقطع الأظفر فلا فديه لكن لو أصابه القمل فلا يمكن اتلاف هذا القمل إلا بحلق الشعر فالشعر لم يحصل منه أذى فعندها يضمن والضمان هنا الفدية كما تقدم.
وقد قسم أهل العلم فعل المحظور إلى ثلاثة أقسام:
1. أن يفعله عالماً ذاكراً مختاراً غير معذوراً. فهذا عليه الإثم وما يترتب عليه فعل ذلك المحظور.
2. أن يفعله معذور بجهل أو نسيان أو إكراه، فهذا لا إثم ولا فدية عليه .
3. أن يفعله عالماً ذاكراً مختاراً ولكنه معذور مثل قصة كعب بن عجرة فهذا عليه فدية وليس عليه الإثم.
** الحديث السادس والعشرون: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : " لما فتح الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم مكة قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنون , وإنها لم تحل لأحد كان قبلي وإنما أحلت لي ساعة من نهار , وأنها لا تحل لأحد بعدي فلا ينفر صيدها ولا يختلى شوكها ولا تحل ساقطها إلا لمنشد ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين , فقال العباس إلا الإذخر يا رسول الله فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا فقال : إلا الإذخر " متفق عليه.
هذا الحديث يتعلق بالمناسك في مسألة (ولا يختلى شوكها) و(لا يحل ساقطتها) وفتح النبي مكه أسبابه معروفة في السيرة وهي نقض العهد فسلط الله رسوله على المشركين وصار الفتح عنوة بالسيف والغلبة والقهر سنة 8هـ وقوله (إن الله حبس عن مكة الفيل) قصة معروفة في كتاب الله (وسلط الله عليها رسوله والمؤمنين) وذلك في سنة الفتح ولهذا قال (وإنها لم تحل لأحد قبلي وإنما أحلت لي ساعة من نهار).
وجاء في مسند أحمد: أن الساعة من النهار كانت من طلوع الشمس إلى صلاة العصر كأنها قطعة من الوقت ثم بعد ذلك عادت حرمتها كحرمتها يوم خلق السماوات والأرض أي أنها محرمة وإنما لم تحل لأحد غير النبي عليه الصلاة والسلام من الأنبياء.
(لا ينفر صيدها) أي لا يزجر ولا يطرد كما لو رأى ظبياً أو صيداً في ظل فليس لـه أن ينفره ويجلس مكانه في الظل (ولا يختلي خلاها) والخلا هو الحشيش.
والمراد به ما أنبته الله لا ما تسبب الآدميون في إنباته فغرسوه وبعض الحكمة التي ظهرت لأهل العلم من ذلك حتى يتوفر ذلك لدواب الحجاج والعمار تكون الأرض كثيفة لا يجوز لأحد أن يختليها بنفسه لكن لو أن الدواب رعت فيها من أبل وبقر وغنم وغيرها فلا بأس ولهذا لم ينقل أن أحداً من الحجاج والعمار يكممون أفواه الدواب عن الاحتشاش وأكل ما انبتته الأرض.
ولكن أن يأتي الإنسان ويحتطب أو يحتش أو يكسر الشوك فهذا كله لا يجوز بل يتوفر هذا الظلال وذلك الحشيش للناس ودوابهم.
وهل في قطعه كفارة؟
الصحيح لا كفارة فيه وهو مذهب الجمهور وذهب بعض أهل العلم ويروى عن ابن عباس وتلاميذه مجاهد وعطاء ويروى عن ابن الزبير في الدوحة الكبيرة (الشجرة العظيمة) أن فيها بقرة والأسانيد إليهم فيها مقال ولو صحت فإن هذا القول ضعيف. والصحيح أنه آثم وليس عليه فدية.
وقوله (لا يحل ساقطها إلا لمنشد) الساقطة أي اللقطة لا تحل إلا لمنشد (أي لمعرف) يعرفها الدهر كله ليس كسائر الأمصار لأن سائر الأمصار تعرف سنة واحدة ثم بعد التعريف تكون ملكاً للمعرف.
ثم قال (من قتل له قتيل فهو بخير النظرين) النظرين أي إما أن يقتل القاتل أو أن يقبل الدية.فقال العباس (إلا إذا الأذخر) أي رخص لنا يا رسول الله فيه وهذا معطوف على قوله (لا يختلى شوكها) وفي رواية (خلاها) فسمح فيه عليه الصلاة والسلام لأنه يكون في البيوت يخلطونه بالطين فيقوى الطين ويضعونه على قبورهم يغلقون به قبورهم. وفيه تحريم القتال في مكة لكن إذا قوتل فللإنسان أن يقاتل كما قال تعالى (ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام ... الآية).
** الحديث السابع والعشرون: عن عبد الله بن زيد بن عاصم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها ، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة , وأني دعوت في صاعها ومدها بمثل ما دعا به إبراهيم لأهل مكة" متفق عليه.
** الحديث الثامن والعشرون : عن علي ابن أبي طالب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" المدينة مابين عير إلى ثور " . رواه مسلم.
هذان الحديثان يتعلقان بالحرم لا الإحرام وقوله عليه السلام: إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها ثبت في الصحيحين أن النبي قال (إن الله حرم مكة) ولا منافاة لأن الله أنشأ التحريم وإبراهيم أظهره وبلغه ثم دعا لأهلها.
ثم قال وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة ألا يجري فيها القتال وأن تكون أحكامها كما مر معنا.
ودعا لأهلها (وارزق أهله من الثمرات من أمن منهم ... الآية) والنبي عليه السلام دعا لأهل المدينة وحرمها كما دعا إبراهيم لأهل مكة وحرمها وقال (إني دعوت في صاعها ومدها بمثلي ما دعا إبراهيم لأهل مكة) وبمثلي : أي ضعفي.
ولهذا يوجد من البركة في الطعام في مكة والمدينة ما ليس في غيرهما وفي الحديث أن هاتين المدينتين حرمهما الخليلان مكة حرمها إبراهيم خليل الله وهو أفضل الخلق بعد محمد عليه الصلاة والسلام والمدينة حرمها النبي عليه السلام وهما عاصمة الإيمان وإليها يجتمع ويأزر كما قال عليه السلام (إن الإيمان ليأرز إلى مكة والمدينة كما تأرز الحية إلى جحرها) أي ينضم ويجتمع ففي آخر الزمان لا يكون هناك إيمان إلا في مكة والمدينة وهما المدينتان اللتان تحفظان من الدجال فإنه سيطأ الأرض كلها إلا هاتين فلهما أبواب وأسوار في آخر الزمان حينما تعود الأوضاع كما كانت سيوف وخيول يحتاط الناس لبلدهم كما هو الحال في سالف الدهر أسوار تمنع من نفوذ العدو واللصوص.
ويكون على أنقابها ملائكة بسيوف مصلتة لا يدخلها الدجال ومن سكنهما عرف بركة المطاعم وسمعت شيخنا ابن باز وقد استوطن المدينة دهراً حيمنا كان نائباً ثم رئيساً للجامعة الإسلامية قال ( من سكن المدينة يعرف ذلك) أي بركة الطعام الذي يكال ويصاع ولا شك أن من شرب من ماء زمزم في مكة وأكل من طعام مكة واستوطن المدينة يعرف البركة في المأكل والمشرب.
وقال بعضهم إن جو المدينة من أصح بلاد الله فلا تدخلها الأوبئة. وفي الصحيح من حديث أنس وغيره أن المدينة لا يدخلها الدجال ولا الطاعون ، وفي حديث علي تحديد الحرم المدني ما بين عير إلى ثور وثور هو جبل خلف أحد وعير كذلك جبل في المدينة قبل الميقات على يسار الذاهب إلى المقيات وهذا لا ينافي أن النبي حرم ما بين لابتيها فاللابتين شرقية وغربية والجبلان شمالي وجنوبي.
هذا الحديث في سياق ما يحرم على المحرم لا ينكح المحرم هذا ينتظم الزوج وينتظم الزوجة فإن النكاح يكون منهما فلا تقبل المرأة النكاح ولا يقبله الزوج وهنا النفي (لا ينكح) متضمن للنهي والشارع حينما يأتي بـ (لا) النافية فهي أبلغ كثيراً مما يأتي بـ (لا) الناهية لأن النفي يقتضي النهي، وفيه إخبار على أنه هذا لا يكون شرعاً أي (النكاح) للمحرم وإذا نهى عنه الشرع ونفاه فإنه يطلب إعدامه ومن هنا ذهب بعض أهل العلم أن نكاح المحرم باطل وأن الإنسان إذا عقد على امرأة وهما محرمان أو هو محرم أو المرأة محرمة فإن النكاح باطل وعلى هذا فتوى كبار الصحابة.
وقوله (ولا ينكح) هذا يتناول الولي فهذا خطاب للولي بأن لا يزوج موليته فالمرأة لا تقبل ولا الزوج ينكح ولا الولي يعقد للمرأة ولا يخطب فهذا نهي عن النكاح ووسائله وينهي عن الجماع من باب أولى هذا بالإجماع في هذه المسألة فالجماع ووسائله وذرائعه كلها محرمة لأن الجماع أعظم مفسدات الحج بل أعظم ما نهي عنه في الحج ولا يفسد النسك حجاً أو عمرة شيء من المناهي إلا الجماع ولهذا أكد النهي عنه بالنهي عن وسائله وذرائعه. وقد تكون ذريعة وذريعة أخرى فالجماع محرم والذريعة إليه النكاح والذريعة إلى النكاح الخطبة وكلاهما محرمان.
وفي الحديث تحريم هذه الثلاثة أشياء والمباشرة وهذه بالنص (فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ... الآية) والرفث هو الجماع ودواعيه إذا جامع الإنسان قبل التحلل الأول ترتب عليه خمسة أمور:
الإثم، وفساد النسك، ووجوب المضي فيه، ووجوب الفدية وهي بدنة، ووجوب القضاء من العام القادم.
وهذه الأشياء الخمسة أما الأول فهو بالنص والإجماع لأنه مرتكب للنهي وأما الباقية فهي من فتاوى الصحابة كعمر وعلي و ابن عباس، وابن عمر، عبد الله بن عمرو وأبو هريرة وغيرهم ونقله شيخ الإسلام إجماع الصحابة والتابعين وعلى هذا عامة العلماء وأما ابن حزم فقال: لا يجب المضي في النسك الفاسد وهذا القول فاسد . وفيه أن العقد باطل وأما الخطبة فقيل مكروهة لأنها وسيلة إلى النكاح والنكاح محرم.
وقال بعضهم هي محرمة لأن الحديث سيق مساقاً واحداً وهذا هو الصحيح أن الخطبة محرمة.
وهل هناك فدية في النكاح أو الخطبة؟ الصحيح أنه ليس هناك في النكاح ولا في الخطبة فدية. إذاً الخطبة والعقد محرمان ولا فدية فيها.
فإن قال قائل هذا الحديث عارضه ما رواه البخاري من حديث ابن عباس أن النبي تزوج ميمونة وهو محرم؟
فالجواب من وجوه :
1- أن ميمونة نفسها كما في صحيح مسلم قالت (أن النبي تزوجها وهو حلال).
2- قول أبي رافع أنه قال (تزوج النبي ميمونة وهو حلال وكنت السفير بينهما) أخرجه أحمد والترمذي وغيرهما وفي إسناده مطر الوراق .
3- أن زواج النبي وهو حلال موافق للنهي هنا عن نكاح المحرم ، وما توهمه بعضهم من التخصيص ليس بشيء انظر سنن البيهقي (7/58)
4- أن يزيد بن الأصم ابن أخت ميمونة يخبر عن خالته أن النبي تزوجها وهو حلال كما أخرج مسلم في كتاب النكاح وليته أخرجه في كتاب الحج وأخبر بذلك عمر بن عبد العزيز حينما سأله عن هذا وقبل عمر بن عبد العزيز قوله كما رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح ولا شك أن الإنسان إذا كان من أهل البيت فهو أعلم بحال قريباته .
5- وجاء عن سعيد بن المسيب أنه قال (وهم ابن عباس) رواه في المسند أحمد وغيره وفي سنده بعض مقال.
والخلاصة أن أهل العلم أجمعوا على أن ابن عباس وهم في هذا الحديث.
وعند الأصحاب أنه إذا حل التحلل الأول وبقي التحلل الثاني فإنه أيضاً لا يجوز النكاح بعد هذا التحلل وذهب شيخ الإسلام وجماعة من أهل العلم إلى أنه إذا حل التحلل الأول فإن لـه أن يتزوج وهو الصحيح لأنه إنما نهى عن النكاح وهو محرم فإذا حل التحلل الأول لم يبق عليه إلا تحريم جماع النساء والأصحاب احتجوا بحديث (حل له كل شيء: قال إلا النساء) وقالوا : النساء يشمل الجماع والعقد وبعضهم قال حتى المباشرة والصحيح أن العقد جائز ولكن هل يباشر أولاً؟ يقبل أو لا؟ محل خلاف بين أهل العلم وسيأتي تحقيق القول في ذلك.
سؤال يتعلق عن الجماع قبل الوقوف بعرفة وبعد الوقوف بعرفة؟
أما المشهور عن الحنفية أنه إذا جامع بعد الوقوف فإن الحج صحيح وقالوا بأنه أمن الفوات فأمن الفساد فالنبي يقول (الحج عرفة) فإذا جامع بعد الوقوف بعرفة فإن حجه صحيح والجمهور على أن من جامع قبل التحلل الأول فإن حجه فاسد وإن جامع بعد التحلل الأول فإن حجه صحيح و لكن إحرامه فاسد عليه أن يجدد الإحرام يذهب إلى الحل ويحرم من جديد حتى يطوف ويسعى بإحرام صحيح والجمهور أجابوا عن حديث (الحج عرفة) قالوا كون الحج عرفة لا يمنع أن الإحرام بعد عرفة إحرام كامل لم يدخله النقص حتى يتحلل وكونه أمن الفوات لا يعني أنه أمن الفساد فإن حاله بعد عرفة مثل حاله قبلها ولا يخف الإحرام إلا بالرمي أو الحلق أو الطواف والسعي إذا فعلها كلها جاز لـه كل شيء وقول الجمهور أصح وأنه إن جامع بعد التعريف (الوقوف بعرفة) فإن حجه فاسد حتى يحل الإحرام بما يحل به التحلل الأول وسيأتي إن شاء الله.
** الحديث الحادي والعشرون : عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه في قصة صيد الحمار الوحشي وهو غير محرم قال ( فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه وكانوا محرمين هل منكم أحد أمره أو أشار إليه بشيء ؟ قالوا : لا قال : فكلوا ما بقي من لحمه ) متفق عليه.
** الحديث الثاني والعشرون : وعن الصعب بن جثامة الليثي رضي الله عنه أنه أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حماراً وحشياً وهو بالأبواء أو بودان فرده عليه ، وقال : " إنا لم نرد عليك إلا أنا حرم " متفق عليه.
هذان الحديثان يتعلقان بالصيد وهو منهي عنه للمحرم أي (صيد البر) لقوله تعالى (وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً... الآية) فإذا أحرم الإنسان حرم عليه الصيد وفي حديث أبي قتادة وكان هذا في سنة صلح الحديبية وكان أحرم الصحابة وهو لم يحرم فرأى حماراً وحشياً فأراد صيده فركب خيله وطلب من أصحابه أن يعطوه سوطه وقد سقط منه أو نسي أن يأخذه فلم يعطوه ثم ذهب واصطاده ثم أتى النبي فقال النبي هل منكم أحد أمره أو أشار إليه بشيء؟ قالوا : لا. قال: فكلوا ما بقي من لحمه.
هنا لم يصد أحد من المحرمين بل صاده أبو قتادة وهو حلال وأيضاً المحرمون لم يشيروا وأيضاً شيء ثالث الظاهر أنه لم يصده لهم ودل على الأمر الثالث حديث الصعب بن جثامة وهذا هو الجمع بين الحديثين في حديث الصعب بن جثامة أن النبي لم يقبله منه لأن صاده لـه عليه السلام فالمحرم إذا صاد صيداً فإن الصيد ميتة فإنه لا يحل لـه وإذا أعان على صيده فإنه لا يحل لـه وإذا صيد لـه فإنه لا يحل لـه وما سوى ذلك فحلال كما لو صاده حلال وأهداه لمحرم ولم يكن صادرة لأجله فإنه حلال وفي هذا الباب الحديث الذي رواه أحمد وأهل السنن من حديث عمرو بن أبي عمرو عن مطلب عبد الله بن حنطب عن جابر: (أن النبي قال : صيد البر حلال لكم ما لم تصيدوه أو يصاد لكم) ولكن الحديث مع أن في متنه الفيصل وأخذ العلماء بمعناه لكن في سنده (المطلب عبد الله بن حنطب لم يسمع من جابر) ولكن العلماء أخذوا بمعناه رغم ضعفه.
فالصيد لا يحرم على المحرم إلا إذا صاده أو أعان على صيده أو صيد لأجله. وفيما سواى ذلك فإنه حلال.
والحمار الوحشي معروف وسمعت شيخنا ابن باز يقول: هو ما يسمى بالوضيحي (نوع من الغزلان) ونوقش في ذلك والصحيح أنه: هو مثل الحمار الأنسي ولكنه متوحش يفر من الآدميين ومخطط البدن بالسواد ونص على ذلك الزركشي بن بهادر الشافعي في كتابه (المنثور في القواعد) ج2، ص223، وقال (إن هذا هو المؤثر في الحكم مع الاستيحاش).
فبعض أهل العلم نحى منحى الجمع بين حديث أبي قتادة وحديث الصعب ابن جثامة وقالوا إن حديث الصعب بن جثامة متأخر وحديث أبي قتادة في صلح الحديبية سنة 6هـ وحديث الصعب سنة 10هـ فهو ناسخ وفيه أن الصيد يحرم إذا أهدي للمحرم وهذا على أحد القولين في المسألة
والقول الثاني أن الجمع ممكن ولا يُصار إلى النسخ إلا إذا تعذر الجمع والمراتب: الجمع ثم النسخ ثم الترجيح والجمع ممكن وهو أنه في حديث أبي قتادة لم يعنه أحد ولم يصده لأجلهم وأما في حديث الصعب فإنه صاده لأجل النبي صلى الله عليه وسلم.
وفيه من الفوائد أن الإنسان إذا أهديت لـه هدية وهي لا تحل له يردها ويعتذر ويبين سبب عدم القبول كما بين النبي للصعب وقد كان كريماً مضيافاً فدفع للنبي الحمار الوحشي ولكن النبي اعتذر لـه وقال إنا محرمون.
وفيهما من الفوائد أن الإنسان المحرم يحل لـه الصيد الحلال إذا لم يصد لـه ولم يعن أحداً في صيده. ولو أن المحرم رأى صيداً فضحك وأخذ ينظر فنظر إليه الحلال فإذا هو يضحك وينظر فنظر إلى جهة نظره فإذا هو إلى الصيد فصاده هل يحرم أو لا؟
الجواب:
لا يحرم وهذه قصة أبي قتادة ولهذا البخاري بوب باباً (باب إذا رأى المحرمون صيداً فضحكوا ففطن الحلال). وهذا الضحك لا يعتبر إعانة.
سؤال: (جميع أنواع الإشارة تعتبر إعانة)؟
كل ما يمكن أن يسمى إشارة أو إعانة وما أشبه ذلك ممنوع.
فائدة أًخرى في حديث أبي قتادة في صيد الحمار الوحشي جواز أن يستوهب من صاحبه شيئاً ، وبوب البخاري في كتاب الهبة : باب من استوهب من صاحبه شيئاً ..فهذا جائز إذا علم طيب نفوسهم كأن يقول الشخص ناولني كذا وكذا فلا بأس قد بايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على ألا يسألوا الناس شيئاً فكان سوط أحدهم يسقط فينزل فيأخذه وهذا مبالغة في الاستغناء و إلا فهو جائز وقد ذكر البخاري في الترجمة المذكورة حديث سهل بن سعد في طلب النبي صلى الله عليه وسلم من المرأة أن تعمل له أعواد المنبر .
وكتاب البخاري كتاب عظيم أعظم كتب السنة فقهاً وحديثاً ولن تجد في كتب السنة مثل كتاب البخاري ونصيحتي لطلبة العلم أن يحفظوه أن استطاعوا لأن البخاري فقيه محدث ، فإن أبو ا فليكثروا من النظر فيه ومدارسته.
** الحديث الثالث والعشرون: عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" خمس من الدواب كلهن فواسق يقتلن في الحل والحرم (العقرب ، والحدأة , والغراب , والفأر , والكلب العقور )"متفق عليه.
هذا الحديث قوله (خمس) هذا مفهوم عدد ليس فيه الحصر وقد جاء في بعض طرق البخاري (والحية) وعند أبي داود (السبع العادي) وقوله (كلهن فواسق) الفاسق هو الخارج عن حد الاعتدال، والفسوق (الخروج) (إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه) أي خرج عن طاعة ربه وما أراده منه.
فهذه الدواب يقتلن في الحل والحرم لأذيتهن والغراب معروف: طائر خبيث يؤذي المزارعين والحدأة كذلك طائر معروف ينتشل اللحم ويسرقه وفي قصة عائشة في قصة المرأة التي كانت لها حفش في المسجد وكانت تتمثل بأبيات كثيرة منها البيت:
ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا إلا إنه من بلدة الكفر انجاني
وكانت عائشة ما جلست معها إلا تسمع هذا البيت فقالت : ما قصته؟ قالت: أني كنت عند أناس وفقدوا وشاحاً أحمر كان على إحدى جواريهم أتته الحدأة فأخذته تظنه لحماً قالت: ففتشوني حتى فتشوا (قبلها) قالت: بينما هم كذلك أتت الحدأة فرمت بالوشاح وبوب عليه البخاري (باب نوم المرأة في المسجد).
والعقرب هي الدابة المعروفة ذات السم وهذه تُقتل حتى في الصلاة والنبي أمر بقتل الأسودين كما في حديث يحيى بن أبي كثير عن ضمضم بن جوس عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو حديث صحيح والفأرة هي الدابة التي تخرق وتشق الأقمشة وتسرق الذهب كما قال بعضهم ، وتفسد الأطعمة ، وتقذر بفضلاتها . والكلب العقور قد يقال أنه اسم جنس فيشمل الأسد والنمر وفي الباب أن النبي عليه السلام قال: اللهم سلط عليه كلباً من كلابك في قصة بعض ولد أبي لهب فقتله الأسد خرجه الحاكم في المستدرك والبيهقي في دلائل النبوة وهو مشهور في أخبار السيرة لكن ليس له إسناد قائم.وقيل أنه الكلب والصحيح أنه يشمل كل كلب عقور يفترس ويعدو ويؤذي ويعقر الدواب والناس .
والدواب قال أهل العلم فيها إنها ثلاثة أقسام من حيث القتل وعدم القتل:
1) قسم أمر بقتله (كهذه الخمس والوزغ كذلك وسماه فويسقاً كما في حديث أم شريك رواه البخاري فيه وقال كان ينفخ النار على إبراهيم ، وقاس عليها العلماء كل مؤذي من الدواب.
2) قسم ينهى عن قتله (النملة، النحلة، الهدهد، الصُرد) .
3) قسم مسكوت عنه: فقال بعضهم يباح قتلها لأن سكوت الشارع عفو.وقال بعضهم: لا تقتل لأن الله خلقها لحكمة ما لم يكن حصل ضرر منها وأذية وإن كان الأصل أنها غير مؤذية والأولى تركها إذا لم تؤذ لهذا جاء النهي عن قتل الهدهد والنملة والنحلة وقد لا يكون في بعضها فائدة كالصرد وهو طائر أكبر من العصفور قليلاً والنملة قد لا يكون فيها فائدة بل قد يصير بها شيء من الإفساد بحق الأرض، والأصل في النمل أنه لا يقتل وإن أمكن دفع أذيته بغير القتل كالكنس أو النفخ بالهواء فلا يقتل إلا إذا لم يندفع شرها بالقتل قتلت.
وهل تقتل هذه الدواب الخمس ابتداءً:
تقتل ابتداءً وليس معنى هذا إن الإنسان يكون من همته طردها والبحث عنها لكن إذا عرضت لـه قتلها ويكون في قتلها امتثالاً لأمر النبي عليه الصلاة والسلام لهذا لما كان الصحابة بمنى خرجت عليهم حية فابتدروها يقتلوها فدخلت الجحر فقال النبي (كفيت شركم وكفيتم شرها).
وجاء في بعض الأحاديث تقييد الغراب بالأبقع والصحيح كل الغربان وإن صحت فيكون لشدة أذيته وجاء الأبقع في مسلم.
** الحديث الرابع والعشرون: عن ابن عباس رضي الله عنهما "أن النبي صلى الله عليه وسلم إحتجم وهو محرم " متفق عليه.
هذا الحديث المؤلف ليته أتى بسياق يدل على تعلق الحجامة بالرأس ولا أدري ما السبب في أن المؤلف اختصره وإلا لفظ البخاري (أنه احتجم في رأٍسه وهو محرم) وجاء عن ابن بحينه كذلك في الصحيحين (أنه احتجم في وسط رأسه) والزيادة هذه مهمة جداً لأنه لو لم تأت هذه الزيادة لما كان للاتيان به في هذا المكان معنى لأنه حينما كان في الرأس والرأس ينهى عن حلقه إذا كان الإنسان محرماً فلما حلقه واحتجم وقد علمنا أن الحجامة لابد فيها من أخذ الشعر كان هناك تنصيص على فائدة وهي جواز الاحتجام للمحرم وجواز أخذ بعض الشعر من الرأس إذا احتاج للحجامة لأنه لا يمكن الحجامة في الرأس إلا بأخذ الشعر بحلق جزء منه وهذا إذا فعله المحرم فهل يفدي أو لا؟ الصحيح أنه لا يفدي لأمرين:
1) أن النبي لم يفد ولم يقضي فيه بشيء.
2) أنه حلق لجزء يسير واليسير مغتفر فإنما هو بقدر المحاجم وقوله تعالى (ولا تحلقوا رؤوسكم) هذا في جميع الرأس.
** الحديث الخامس والعشرون: عن كعب بن عجرة قال : حملت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهي , فقال : ما كنت أري الوجع بلغ بك ما أرى ، أتجد شاة ؟ قلت : لا . قال فصم ثلاثة أيام , أو أطعم ستة مساكين لكل نصف صاع . متفق عليه.
كعب بن عجرة أحد الصحابة كان أصابه قمل كثير في رأسه فحمل إلى الرسول عليه السلام والقمل يتناثر على وجهه فقال: ما كنت أرى أي: أظن (أرُى) بالضم يعني أظن أما (أرى) بالفتح فهو البصر العيني. فقال أتجد شاة؟
وقوله تعالى في التنزيل (ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) على التخيير فلعله إنما قال شاة على سبيل التخيير أو الأفضلية لا على سبيل الترتيب بسبب صريح القرآن وفي حديث كعب بن عجرة (أنسك شاة أو أطعم ستة مساكين أو صم ثلاثة أيام) في بعض سياقاته وهو صريح والسياق الذي ساقه المؤلف يوهم الترتيب ومن هنا ينبغي أن يعلم أن الحافظ لم يحرر البلوغ كما ينبغي.وفيه الفدية أن الإنسان إذا حلق شعره من أجل وجود قمل أو ما أشبه ذلك لأن هذا الشعر يتعلق به النسك فكان فيه الفدية وهي على التخيير ويسمونها أهل العلم (فدية أذى) إما يذبح شاة تجزئ في الأضاحي سليمة من العيوب الممنوعة شرعاً وبلغت السن المجزية وهكذا كل دم واجب أو مستحب كالهدايا والأضاحي والعقيقة أو يطعم 6 مساكين لكل واحد نصف صاع أو يصوم 3 أيام والذبح والإطعام قال أهل العلم بمكة والصيام حيث شاء.وقعد أهل العلم قاعدة هنا وهي:
إن الإنسان إذا أتلف شيئاً لدفع أذاه لـه فإنه لا يضمن وإذا أتلفه لدفع أذاه به فإنه يضمن).
وهنا أتلف الشعر لدفع أذاه به فإن الأذى متعلق بالقمل لا الشعر ولا يمكن إذهاب القمل إلا بحلق الشعر فأتلف الشعر لدفع أذى القمل لـه ومثل ذلك لو أن إنساناً صال عليه جمل أو شاه ولم يكن يستطيع دفع أذاها إلا بالقتل فإنه لا يضمن لأنه أتلفها لدفع أذاها لـه فهي مؤذية لـه لم يندفع شرها إلا بالقتل.
ولكن لو أنه جاع جوعاً شديداً وأراد دفع أذى الجوع عنه بذبح هذا الجمل أو الشاة فإنه يضمن لأنه دفع أذى الذي لحقه بإتلاف هذا الجمل أو الشاة وهي للغير فإنه يكون ضامناً. وعليه كما قال أهل العلم: لو أن إنساناً انكسر ظفره وآلمه أو سقطت شعرة في عينه وكانت الشعرة هي المؤذية فقطعها وقطع الأظفر فلا فديه لكن لو أصابه القمل فلا يمكن اتلاف هذا القمل إلا بحلق الشعر فالشعر لم يحصل منه أذى فعندها يضمن والضمان هنا الفدية كما تقدم.
وقد قسم أهل العلم فعل المحظور إلى ثلاثة أقسام:
1. أن يفعله عالماً ذاكراً مختاراً غير معذوراً. فهذا عليه الإثم وما يترتب عليه فعل ذلك المحظور.
2. أن يفعله معذور بجهل أو نسيان أو إكراه، فهذا لا إثم ولا فدية عليه .
3. أن يفعله عالماً ذاكراً مختاراً ولكنه معذور مثل قصة كعب بن عجرة فهذا عليه فدية وليس عليه الإثم.
** الحديث السادس والعشرون: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : " لما فتح الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم مكة قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنون , وإنها لم تحل لأحد كان قبلي وإنما أحلت لي ساعة من نهار , وأنها لا تحل لأحد بعدي فلا ينفر صيدها ولا يختلى شوكها ولا تحل ساقطها إلا لمنشد ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين , فقال العباس إلا الإذخر يا رسول الله فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا فقال : إلا الإذخر " متفق عليه.
هذا الحديث يتعلق بالمناسك في مسألة (ولا يختلى شوكها) و(لا يحل ساقطتها) وفتح النبي مكه أسبابه معروفة في السيرة وهي نقض العهد فسلط الله رسوله على المشركين وصار الفتح عنوة بالسيف والغلبة والقهر سنة 8هـ وقوله (إن الله حبس عن مكة الفيل) قصة معروفة في كتاب الله (وسلط الله عليها رسوله والمؤمنين) وذلك في سنة الفتح ولهذا قال (وإنها لم تحل لأحد قبلي وإنما أحلت لي ساعة من نهار).
وجاء في مسند أحمد: أن الساعة من النهار كانت من طلوع الشمس إلى صلاة العصر كأنها قطعة من الوقت ثم بعد ذلك عادت حرمتها كحرمتها يوم خلق السماوات والأرض أي أنها محرمة وإنما لم تحل لأحد غير النبي عليه الصلاة والسلام من الأنبياء.
(لا ينفر صيدها) أي لا يزجر ولا يطرد كما لو رأى ظبياً أو صيداً في ظل فليس لـه أن ينفره ويجلس مكانه في الظل (ولا يختلي خلاها) والخلا هو الحشيش.
والمراد به ما أنبته الله لا ما تسبب الآدميون في إنباته فغرسوه وبعض الحكمة التي ظهرت لأهل العلم من ذلك حتى يتوفر ذلك لدواب الحجاج والعمار تكون الأرض كثيفة لا يجوز لأحد أن يختليها بنفسه لكن لو أن الدواب رعت فيها من أبل وبقر وغنم وغيرها فلا بأس ولهذا لم ينقل أن أحداً من الحجاج والعمار يكممون أفواه الدواب عن الاحتشاش وأكل ما انبتته الأرض.
ولكن أن يأتي الإنسان ويحتطب أو يحتش أو يكسر الشوك فهذا كله لا يجوز بل يتوفر هذا الظلال وذلك الحشيش للناس ودوابهم.
وهل في قطعه كفارة؟
الصحيح لا كفارة فيه وهو مذهب الجمهور وذهب بعض أهل العلم ويروى عن ابن عباس وتلاميذه مجاهد وعطاء ويروى عن ابن الزبير في الدوحة الكبيرة (الشجرة العظيمة) أن فيها بقرة والأسانيد إليهم فيها مقال ولو صحت فإن هذا القول ضعيف. والصحيح أنه آثم وليس عليه فدية.
وقوله (لا يحل ساقطها إلا لمنشد) الساقطة أي اللقطة لا تحل إلا لمنشد (أي لمعرف) يعرفها الدهر كله ليس كسائر الأمصار لأن سائر الأمصار تعرف سنة واحدة ثم بعد التعريف تكون ملكاً للمعرف.
ثم قال (من قتل له قتيل فهو بخير النظرين) النظرين أي إما أن يقتل القاتل أو أن يقبل الدية.فقال العباس (إلا إذا الأذخر) أي رخص لنا يا رسول الله فيه وهذا معطوف على قوله (لا يختلى شوكها) وفي رواية (خلاها) فسمح فيه عليه الصلاة والسلام لأنه يكون في البيوت يخلطونه بالطين فيقوى الطين ويضعونه على قبورهم يغلقون به قبورهم. وفيه تحريم القتال في مكة لكن إذا قوتل فللإنسان أن يقاتل كما قال تعالى (ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام ... الآية).
** الحديث السابع والعشرون: عن عبد الله بن زيد بن عاصم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها ، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة , وأني دعوت في صاعها ومدها بمثل ما دعا به إبراهيم لأهل مكة" متفق عليه.
** الحديث الثامن والعشرون : عن علي ابن أبي طالب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" المدينة مابين عير إلى ثور " . رواه مسلم.
هذان الحديثان يتعلقان بالحرم لا الإحرام وقوله عليه السلام: إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها ثبت في الصحيحين أن النبي قال (إن الله حرم مكة) ولا منافاة لأن الله أنشأ التحريم وإبراهيم أظهره وبلغه ثم دعا لأهلها.
ثم قال وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة ألا يجري فيها القتال وأن تكون أحكامها كما مر معنا.
ودعا لأهلها (وارزق أهله من الثمرات من أمن منهم ... الآية) والنبي عليه السلام دعا لأهل المدينة وحرمها كما دعا إبراهيم لأهل مكة وحرمها وقال (إني دعوت في صاعها ومدها بمثلي ما دعا إبراهيم لأهل مكة) وبمثلي : أي ضعفي.
ولهذا يوجد من البركة في الطعام في مكة والمدينة ما ليس في غيرهما وفي الحديث أن هاتين المدينتين حرمهما الخليلان مكة حرمها إبراهيم خليل الله وهو أفضل الخلق بعد محمد عليه الصلاة والسلام والمدينة حرمها النبي عليه السلام وهما عاصمة الإيمان وإليها يجتمع ويأزر كما قال عليه السلام (إن الإيمان ليأرز إلى مكة والمدينة كما تأرز الحية إلى جحرها) أي ينضم ويجتمع ففي آخر الزمان لا يكون هناك إيمان إلا في مكة والمدينة وهما المدينتان اللتان تحفظان من الدجال فإنه سيطأ الأرض كلها إلا هاتين فلهما أبواب وأسوار في آخر الزمان حينما تعود الأوضاع كما كانت سيوف وخيول يحتاط الناس لبلدهم كما هو الحال في سالف الدهر أسوار تمنع من نفوذ العدو واللصوص.
ويكون على أنقابها ملائكة بسيوف مصلتة لا يدخلها الدجال ومن سكنهما عرف بركة المطاعم وسمعت شيخنا ابن باز وقد استوطن المدينة دهراً حيمنا كان نائباً ثم رئيساً للجامعة الإسلامية قال ( من سكن المدينة يعرف ذلك) أي بركة الطعام الذي يكال ويصاع ولا شك أن من شرب من ماء زمزم في مكة وأكل من طعام مكة واستوطن المدينة يعرف البركة في المأكل والمشرب.
وقال بعضهم إن جو المدينة من أصح بلاد الله فلا تدخلها الأوبئة. وفي الصحيح من حديث أنس وغيره أن المدينة لا يدخلها الدجال ولا الطاعون ، وفي حديث علي تحديد الحرم المدني ما بين عير إلى ثور وثور هو جبل خلف أحد وعير كذلك جبل في المدينة قبل الميقات على يسار الذاهب إلى المقيات وهذا لا ينافي أن النبي حرم ما بين لابتيها فاللابتين شرقية وغربية والجبلان شمالي وجنوبي.