• !
×

rasl_essaher

قصة قصيرة تقاسيم فلسطينية

قصة قصيرة


تقاسيم فلسطينية

د.سناء الشعلان/ الأردن
أديبة أردنية من أصول فلسطينية



قصّة حبّ

يحبّها وتحبّه،وكلاهما يحبّان فلسطين،من صغرهما علقا الحبّ المشتعل،فتعاهدا على أن يلازم أحدهما الآخر طوال الحياة،وأن يرحلا عنها سويّاً،حفرا عهدهما على جذع شجرة زيتون في حقل الزّيتون الذي تملكه عائلته منذ قرون كثيرة ما عاد يحصيها عددا.
كان من المخطّط أن يتزوجا في الخريف المقبل،ولكن العدوّ صادر أرضهما قبل أن يأتي الخريف المنتظر،وجرّفها بعد أن اقتلع زيتونها،ثم ألقمها أطناناً كثيرة من الإسمنت لتكون أساسات لمستدمرات صهيونيّة تأوي الغرباء الغاصبين.
قرّرا في لحظة عشق كاملة أن يمضيا في درب عشقهما الأكبر،بحزامين ناسفين فجّرا البيوت المستدمرة الوليدة فوق أرضهما بمن فيها من الغرباء،وتناثرا هباء مقدسّاً فوق أرضهما التي ماتا عشقاً لها.

قدمان

خسر قدميه برصاص العدوّ الصّهيونيّ في اعتصام طلابيّ ضدّ تدنيس المسجد الأقصى والحفر تحته تمهيداً لهدمه،وخسر مع خسارة قدميه دراسته في جامعة النّجاح لعجزه عن الذهاب إليها،كما خسر حريّته وقدرته على الحركة وحلمه بالزّواج من ابنة خالته (بهيّة)التي أحبّها منذ طفولته،وتأبى عليه نفسه أن تتزوّج به عطفاً عليه.لكنّه لم يبالِ بأيّ من خسائره.
أمضى أشهراً يصنع له قدمين من خشب الزّيتون،وعندما انتهى من صناعتهما امتطاهما بفرح،وقصد المسجد الأقصى ليشارك – من جديد- باعتصام خارجه احتجاجاً ضدّ تدنيسه من العدوّ الصّهيونيّ.

فيلم خياليّ

جلس خمستهم متسمّرين مشدوهين أمام شاشة التّلفاز يحضرون فيلماً لا يمكن أن يعدّوه بعرف طفولتهم ولغة حرمانهم إلاّ فيلماً خياليّاً،رأوا الأطفال في الفيلم يلبسون الملابس الزّاهية في العيد،ويذهبون إلى المدارس بأمان،ويربّون العصافير الجميلة المغرّدة في أقفاص خشبيّة دقيقة الصّنع منصوبة على شرفات منازلهم.
رأوا الآباء يذهبون إلى العمل فرحين نشيطين،ويعودون في المساء إلى بيوتهم محمّلين بالحلوى والأمل والأوراق النقديّة وحكايا السّمر.رأوا الأمّهات يصنعن الطّعام بترنيمات الفرح،ولا يتّشحن بالسّواد على أبٍ شهيد أو أخ معتقل أو أب مطارد.كانت حياة رغيدة لا يعرفونها في وطنهم فلسطين.
تجرّأ الطّفل الصّغير على أن ينزع نفسه من لذّة متابعة الفيلم الخياليّ،وسأل أمّه بعتاب ممطوط: "لماذا يا أمي لا نعيش حياة جميلة مثل هؤلاء الأطفال؟!"
كدّرتْ الأم قسمات وجهها كي تتقّنع خلف خشونة صلبة مصنوعة بدل أن تغرب في نواح محرور،وقالت له:"لأنّنا نعيش في فلسطين،والعدوّ الصّهيونيّ يكره الأطفال الفلسطينيين".
سأل الطّفل من جديد أمّه بدهشة: "لماذا يكره العدوّ الصّهيونيّ الأطفال الفلسطينيين يا أمّي؟!"
تنهّدت الأم الفلسطينيّة،وعقدت حزناً فوق حزن،وقرّبت ركبتيها من بعضهما،وأهبطت طفلها عليهما،وطبعتْ قبلة على جبينه،وقالت له:"لأنّكم أملنا وأمل تحرير فلسطين،أنتم من سوف تطردوهم من وطننا عندما تكبرون".

عيد أمّ
اليوم هو عيد الأمّ،وأمّها قد رحلت إلى العالم الآخر بقصف صهيونيّ اغتالها وسريرها وبيتها الذي بنته بسنين من التّعب والكدّ والحرمان.
اعتادتْ أن تهدي أمّها زهرة في كلّ عيد أمّ،وأن تلقي بنفسها في حضنها الكبير الدافئ المليء بالشّحم والحب ورائحة البرتقال الفلسطينيّ الذي تعمل في بياراته ليل نهار.
قرّرت أن تهدي أمّها زهرة عيدها،وأن ترتمي في حضنها رغم أنف الموت،رسمتْ بقطعة جير أبيض دائرة كبيرة على أمها الأرض،هي دائرة بحجم حضن أمّها الآدميّة،واستلقتْ في حضنها،وتكوّرتْ أرضاً كما الجنين،وطفقت تشمّ رائحة أمّها المضمّخة برائحة البرتقال.

لُهاث
الحالمون بالزّواج في غزّة جميعهم أكانوا نساء أم رجالاً يلهثون قسراً في مساحة صغيرة وأحلام كبيرة غدت ضيّقة إلى حدّ اعتصارهم.
هو مثلهم يعيش عذاباً قاهراً موصولاً اسمه توفير طلبات الزّواج،ما عاد يحلم ببيت جميل وأثاث فارهٍ وعرس بهيج وحفلة حاشدة،كلّ ما يبغيه الآن أرضاً غرفة بـ(سمر) حبيبته وابنة خاله،يريد سقفاً يظلّهم،ويسير فرح وملابس ساترة وحضور مشاركين وفق ما تيسّر من فتات الأحزان والانتظار المتسرّب من خنق العدو الصّهيونيّ.
اللّهاث يسكن روحه،ويبتلعه،ويجعل منه لعبته في عالم الوهم،لا غرفة موجودة للاستئجار،لا سلع موجودة للشّراء في الأسواق المحاصرة منذ سنوات،ولا نقود لتيسير الأمور،ولا عمل متوفّر،ولا مدعوين إلى عرس يستطيعون حضور زفافه بسبب حلقات الحصار والحظر والاغتيال والاعتقال والدّروب المغلقة المميتة.
الدّروب جميعها مغلقة في وجهه وفي وجه زواجه من حبيبته (سمر) التي بدأت العنوسة تأكل أملها كما تأكل آمال معظم أصدقائه وأقاربه وأترابه ومعارفه الذين يحلمون بالزّواج المستحيل في هذه المدينة التي يطبق العدوّ الصّهيونيّ على تلابيب روحها منذ سنوات،وتناضل باستبسال لتظلّ تتنفّس الهواء على ذمّة الحياة.
يفاجئ (سمر) وهي تجلس أمام بيتها المتهاوي،وتطلّ على بحر غزّة تطعمه حزنها،يقترب منها،ويهمس في أذنها التي تتوارى خلف جديلتها الكثّاء:"أتتزوجينني؟"
تبتسم له،وتهتف بسرور دون تردّد:" نعم،أتزوّجكَ".

  • "لكن لا غرفة أستطيع أن أؤمّنها لزواجنا".
  • "نتزوج هنا على ساحل البحر،ونعيش بين صخوره".

    مدرسة
    المدرسة هي المكان الأقدس في عوالمه جميعها،لا يحبّ أن يغادرها على الرّغم من بنائها القديم وافتقارها لجلّ الخدمات الأساسيّة والازدحام الطّلابي الخانق فيها، ولكنّه يعشقها،هي دربه إلى أن يصبح طبيباً كما يحلم دائماً،وكما تريده أمّه أن يكون عندما يكبر.
    صفّه الصّغير أصبح أكثر اكتظاظاً بعد أن أصبح مكان إقامة له ولأسرته ولبضع عائلات من أقاربه وجيرانه بعد أن قصف العدوّ الصّهيونيّ حيّهم،وألجأهم جميعاً إلى العراء.
    منظّمة الإغاثة الدّوليّة التي تمتلك مدرستهم سمحت للمنكوبين الذين فقدوا بيوتهم بأن يقيموا في المدرسة إلى حين ميسرة.
    الآن صفّه أصبح بيتاً لهم أجمعين،لم يظلّ من ملامحه الصّفيّة سوى سبورة خضراء باهتة عليها بضعة أسئلة رياضيّة تركها معلّمهم مصلوبة على اللّوح كي ينقشها الجميع في كراريسهم واجباً بيتيّاً لعلّهم يجدون حلولاً لها.
    لم تتح الفرصة له لحلّها بسبب القصف الإبليسيّ الذي أمطرهم الصّهاينة به،وقد فقد دفاتره وكتبه وحقيبة مدرسته في هذا الاعتداء الإباديّ.
    منذ أيّام وهو يحدّق طويلاً في الأسئلة المطرّزة بعناية على السبّورة،الآن استنار عقله بنور يقوده إلى الإجابات الصّحيحة،ينقضّ على الأسئلة المعلّقة على السّبورة يحلّها بتركيز واهتمام يليق بفتى فلسطينيّ يريد أن يدرس،وأن يجتهد ليصبح طبيباً مميّزاً عندما يكبر.

    وجه

    اعتاد على أن يرى وجهه البريء الأسمر الهادئ المغرق في صمت عميق وهو يراقب عن بعد أطفال المستعمرين الصّهاينة عبر الأسلاك الشّائكة التي تُحيط ببيوتهم،وتفصلهم عن بستان الزّيتون الباقي الوحيد لهم بعد مصادرة أرضهم وأراضي أقاربهم وأراضي الكثير من أهل قريتهم لبناء هذه المستدمرة.
    يراقب الأطفال طويلاً دون ملل،يتابع حركاتهم وسكناتهم جميعها،ويتفحص ألعابهم الجميلة الملوّنة،ويحرّك لسانه بتمتمات خفيضة غير مفهومة،يقترب منه،ويربتْ على كتفه،يحدّق في وجهه،هو لا يعرف ابن من يكون هو،لكنّه متأكّد من أنّه قد رأى وجهه كثيراً في دروب القرية،يسأله بعطف ينزلق إليه من جسده المديد الطّول لينصبّ على شعر رأسه ربتاً: "هل تتمنّى أن تكون عندكَ ألعاب جميلة مثلهم؟ هل تريد أن تذهب للّعب معهم؟"
    يحرّك الطّفل رأسه يمنة ويسرة مومئاً بالرّفض،ويقول: "أنا لا أريد أن أذهب للعب معهم،أنا أقف هنا لأحصي الأرض التي سرقوها منّا ليلعبوا عليها،هناك شجرة زيتون صغيرة من زيتونات حقلنا لا تزال على قيد الحياة،أنا من زرعها هناك قبل أن يسرقوا الأرض منّا،أريد أن أسترجعها في يوم ما".

    نفق
    النّفق هو من سرق أمّه،لقد عبرتْ وأخوها خلاله إلى الأراضي المصريّة بشكل سريّ وغير قانونيّ كي تعالج أخاه من المرض العضال الذي يفترسه.كان يجب أن تعود عبره بعد أسبوعين من ذهابها،ولكن القصف الصّهيونيّ على غزّة قد دمّر هذا النّفق،وقطع الدّرب دون رجعتها.
    كلّ يوم يقف على عين النّفق التي غمرها التّراب،وأخمد أنفاسها،ودفنها في داخل التّراب،ينتظر عودة أمّه بأعجوبة ما تجعلها تخترق هذا الرّدم المتداعي من الإسمنت والطّوب والتّراب.
    بعد سبعة أشهر من الانتظار يخبره أخوته بأنّ أمّهم ستعود إليهم برفقة أخيهم من معبررفح الذي سيفتح لمدّة يوم واحد فقط،لا يصدّق كلامهم،ولا يذهب معهم إلى المعبر لاستقبال أمّه،ويظلّ ينتظرها أن تخرج من النّفق الذي ابتلعها،وغيّبها في المجهول.

    نوم
    الأحداث السّيئة جميعها التي حدثت في حياته وقعتْ له لأنّه قد نام؛كلّما غلبه النّوم داهم الجنود الصّهاينة بيته،وعاثوا فساداً فيه،وقتلوا أحداً من أسرته،أو ضربوه أو أهانوه أو اعتقلوه أو مضوا به إلى درب مجهول دون رجعة.
    لا طاقة له بردّ العدو الصّهيونيّ بجسده الصّغير وسنين عمره القليلة العاجزة،كذلك لا يستطيع أن يهرب بأهله ومنزله وأرضه بعيداً عن الجنود الصهاينة،ولذلك قرّر أن لا ينام أبداً.

    هديّة

    القليل الأقلّ من المال في جيبه هو لا يكفي لأن يشتري به أيّ هدية ليقدّمها لابنته الصّغيرة في عيد ميلادها،يخمّن أنّ الفتيات الصّغيرات يحببن الهدايا الأنثويّة في أعياد ميلادهن،يستعرض الهدايا المحتملة،ويعرض عنها باستخفاف؛فهذه هدايا تليق بأيّ فتاة في العالم إلا بابنته (نجوى) التي عليها في يوم ما أن تكون أمّاً فلسطينيّة تربّى جيل الثّورة والنّصر.
    نقوده القليلة مضافاً إليها ما حصّله من مال في يوم عمل شاقّ تكفي لأن يشتري لها كتاباً يغذّيها بالعلم.يشتري الكتاب بفخر واعتزاز لأميرته الفلسطينيّة الصّغيرة التي يعدّها لمهمّة كبيرة في المستقبل.

    هروب

    وافقت على هذا الزّواج المرتّب بشكل أسريّ كي تهرب من العذاب الموصول الذي تعيشه كما يعيشه شعبها في فلسطين،تحزم أمتعتها القليلة بفرح صغير،وهي من كانت تظنّ أنّها ستملك أكبر فرح في الدّنيا بعدما مدّت السّماء لها حبال العون والإنقاذ قُبيل الغرق بقليل،أخيراً ستهرب دون رجعة من عدوّ لا يرحم،ومن عذاب موصول لا يتوقّف،ومن معاناة تحاصرهم جميعاً في كلّ جزئيّة في حياتها،ستتزوّج من مبعد فلسطينيّ يعيش في إحدى دول أمريكا اللاتينيّة،وتذهب إلى البعيد،ستهرب دون رجعة من التّفتيش والمداهمات والاعتقالات والاغتيالات ومصادرة الأراضي وحواجز التّفتيش والحصار والتّجويع والمعاناة المبتكرة شكلاً بعد شكل لتعذيبهم،أخيراً لن ترى صهيونيّاً في الدّروب.
    عانت كثيراً كي تصل بحقيبتها الوحيدة للوصول إلى هذا المعبر الأخير كي تغادر آخر محّطة في فلسطين لتودّعها دون عودة،أخوها الأكبر هو من يرافقها في المحّطة الأخيرة للوداع بعد أن نالت بصحبته جرعات العذاب الإجباريّة كاملة عبر المعابر وحواجز التّفتيش حتى وصلت إلى هذه المعبر الحدوديّ.
    خطوات قليلة تخطوها بعد ختم جواز سفرها،وتصبح إلى الأبد خارج فلسطين،أخيراً سوف تنجو وحدها من ملحمة النّضال التّاريخيّة،وستدخل تاريخ الرّفاهيّة والرّاحة والعبث،تريد الفرح والأمن والسّعادة والبهجة والدّلال،لكّنها في هذه اللّحظة تشعر أنّها لا تريد أن تخرج من التّاريخ المشرّف لأجل صفقة زواج مريحة سهلة الشّروط.
    تتراجع بضع خطوات إلى الخلف بدل أن تتقدّم لختم جوازها بختم الخروج،تدسّ هويتها الفلسطينيّة في جيبها باعتزاز،وكأنّها تخشى أن تُسلب منها،وهي أثمن ما تملك في حياتها،وتنثني عائدة إلى بيت أسرتها برفقة أخيها،وهي تجرّ حقيبتها اليتيمة لتعيش قدرها الجميل في أن تكون فلسطينيّة صامدة في بيتها إلى أن يرحل عدوها في يوم قريب غير عابئة بزواج يهرب بها إلى البعيد.

    مقبرة

    هي أكبر مقبرة تاريخيّة في فلسطين،عمرها أكثر من ألف عام،الوجوه الفلسطينيّة جميعها تنتهي في هذه المقبرة في آخر المطاف لتهجع في أرض الوطن الهجعة الأبديّة.
    قرّر العدوّ الصّهيونيّ أن يجرّف المقبرة بعد تمشيطها لأجل أن يبني فيها أكبر مستوطنة في فلسطين المحتلّة.
    الإضرابات والمظاهرات والاعتصامات الفلسطينيّة لم تمنع آليّات العدوّ الصّهيونيّ من تمشيط المقبرة ومن ثمّ تجريفها،لقد قلعوا شواهد القبور وأشجار المقبرة بعد تدمير سورها العتيق،ثم هتكوا حرمة القبور بتجريفها،لقد انتزعوا الهياكل من مراقدها،وكوّموها في خرق أكفانها.
    في اللّيل ومع هدأة الرّقاد استيقظت الهياكل المطرودة من قبورها،ولبستْ أكفانها،وهاجمتْ أعداءها.



    معطف
    شهرٌ كامل والفدائيون الفلسطينيون يرجمون العدوّ الصّهيونيّ بنيرانهم،ويرفضون أن يستسلموا لهم،القذائف تنهال عليهم من السّماء من الطّائرات الصّهيونيّة،والقنابل تُلقى عليهم من كلّ حدب وصوب،وهم صامدون دون وجل،يعضّون الجوع،ويهزأون من العطش،لكن البرد هو ما يقضم عظامهم دون رحمة.
    الصّدفة جعلته يحتفظ بمعطفه الرّوسيّ الثّخين في لحظة وقوعه في هذا الحصار،ولكن شريكه في حراسه هذه الجهة من القلعة لا يملك أيّ معطف،وينكمش على نفسه برداً،حاول مراراً أن يخلع معطفه عليه-ولو لبعض الوقت- ليحظى ببعض الدّفء،لكنّه كان يرفض ذلك بإصرار،ويقسم عليه أن لا يخلع معطفه لأجله أبداً.
    الدّنيا بدتْ فارغة في عينيه إلاّ منهم ومن القلعة ومن ذلك الحصار الصّهيونيّ الذي يحاول مرّة تلو الأخرى أن يخنقهم ليمسحهم عن وجه الأرض كما وعد شعبه الملعون الذي يشتهي أن يفني البشر كلّهم كي يتمتّعوا بالدّنيا وحدهم.
    الآن يرى تسلّلاً من جنود صهاينة،إن استطاعوا أن يخترقوا هذه الجهة من القلعة،فهذا يعني أنّهم قد حطّموا صمودها،لا وقت عنده لأن يستغيث بأصدقائه،يقرّر أن يأخذ زمام المبادرة بنفسه،يخلع معطفه على صديقه،ويقول له: "ستحتاج هذا المعطف في هذا المكان الشّتويّ البارد.أنا لن أحتاجه بعد الآن".وينطلق ببندقيته وآخر الرّصاصات التي يملكها نحو الجنود المتسلّلين في مواجهة دامية كي يردّهم عن القلعة،يظلّ ينافح دون القلعة حتى آخر طلقة يملكها وآخر نفس في حياته.
    صحفيّ

    جاء إلى هنا كي يكتب تقريراً جدليّاً يضجّ بصور القتلى والموتى والثّوّار والأحداث الدّامية ذات التّفاصيل المثيرة التي تجذب القرّاء،أمله أن يحقّق هذا التّقرير اهتماماً يدرّ أرباحاً إضافيّة على المؤسّسة الإعلاميّة العالميّة التي يعمل فيها كي يحظى بعروض أفضل في مؤسّسته أو في مؤسّسات أخرى أكبر وأكثر شهرة منها،وتدفع له الأجور بسخاء يرضي غروره ومتطلّباته.
    إنجاز هذا التّقرير المصوّر هو كلّ ما يعنيه من الظّالم أو المظلوم في هذه المحرقة التي تستعر في فلسطين،وإن كان قد حضّر نفسه مسبقاً ليكون إلى صفّ الصّهيونيّ الذي يدفع لأنصاره بسخاء،ويقدّم له استضافة ذات قائمة تزدحم بالمتعة واللّهو والنّساء الجميلات.
    لم يتوقّع أنّ أولئك الفلسطينيين سوف يسرقونه إلى عوالمهم،ويخطفونه لمدّة أسبوعين ليعيش معهم تفاصيل نضالهم وقهرهم،لقد صوّر الآلاف الصّور من معاناتهم،وسجّل أفلاماً كثيرة لجرائم الصّهاينة.
    أرسل التّقرير الذي أعدّه إلى المؤسّسة الصّحفيّة التي يعمل فيها،ما عنّى نفسه بأن يعرف إن نُشر التّقرير أم لا؛وهو من يخمّن أنّ مديره اليهوديّ سوف يعدم هذا التّقرير الذي جاء بغير ما اشتهى.
    لقد أطلق المختطفون الثّوار الفلسطينيّون سراحه،وسمحوا له بأن يذهب وشأنه،لكنّه صمّم على أن يظلّ معهم؛فهم قد خطفوه من نفسه للأبد.تلثّم بالـ(الكُوفيّة) الفلسطينيّة،وتبعهم في الدّرب الذي سلكوه.

    صديق

    ثلاثة من أصدقائه سار في جنازتهم يطالع المحفّة التي تحملهم بملابسهم ليدفنوا بها كما يُدفن الشّهداء؛قامته القصيرة لصغر سنّه منعته من أن يشارك في حمل المحفّة التي تحمل صديقه الرّابع الذي أرداه قنّاص صهيونيّ وهو في طريقه إلى المدرسة هذا الصّباح المنصرم،كان كلاهما يسيران معاً عندما اختاره قنّاص يلهو لينزع روحه،لقد لفظ صديقه آخر أنفاسه بين يديه،ما نطق بكلمة وداع لصديقه وهو يضمّه إلى صدره،ولكنّه بكاه بحرقة.
    كلّما أقام صداقة مع فتى ما من أترابه سرقه الصّهاينة منه،وألقوا به في حضن الموت.معلّمه قال له إنّ أصدقاءه جميعاً في الفردوس الأعلى في حبور وأمن،يحبّهم ويحبّ الصّداقة،لكنّه يخشى أن يختار صديقاً خامساً فيسارع الصّهاينة إليه ليخطفوه منه.

    الكُوفيّة( )

    عندما طُردوا بقوّة السّلاح والبطش من بيوتهم قيل لهم إنّهم سيعودون إليها بعد أيّام قصيرة،لمّا طال بهم الانتظار في أوّل محطّات الرّحيل قرّر أن يعود إلى بيته ليحضر بعض الطّعام والملابس والماء لأمّه وأبيه وإخوته،كانوا مكسورين تحت دوالي العنب ينتظرون العودة إلى بيوتهم حيث تركوا القمح في خوابيه والزّيتون في جراره والرّضف في طابون الخبيز.
    رافقه في طريق العودة ثلاثة من أبناء القرية،كان الدّخول إلى القرية سهلاً في وسط الظّلام والهدوء،لكن ما كادوا يدخلون حيّهم حتى حاصرتهم العصابات الصّهيونيّة،فقتلت اثنين ممّن معه،واستبقته وآخر على قيد الحياة ليخدمهم،أجبروهما على امتداد شهر كامل على أن ينقلا مؤنة بيوت القرّية إلى حيث تجمّعاتهم المستحدثة بعد أن أوسعوهم ضرباً وتعذيباً وإهانة وتحسيراً.
    استطاع أن يهرب منهم،وأن يعود إلى أهله ليخبرهم بأنّ العودة إلى بيوتهم لن تكون أبداً في القريب،أمّا ابن قريته فقد هلك من عذاب الحمل والنّقل والقهر.
    عاد إلى أهله باكياً قد براه الجهد والجوع،وكوته الشّمس بسياط من لظاها،لم يبكِ عذابه أو ظلمه،لكنّه بكى بشدّة خجلاً من شعره المكشوف بعد أن سرق مجرمو العصابات الصّهيونيّة كُوفيّته،وأجبروه على أن يعمل حاسراً من كرامته واعتزازه وتراثه،بكى دون توقّف حتى شقّ والده الكوفيّة الوحيدة التي يملكها،وستر رأسه بنصفها،وستر رأسه ابنه بنصفها الآخر.

    معبر

    هذا المعبر هو الشّاهد الإجباريّ على دموع الفلسطينيين وأحزانهم وآلامهم وحصارهم وجوعهم وتعذيبهم،وحده من يتقطّع خزياً وألماً وعاراً وهو يردّ الملهوفين،وحده من يحرم أماً من ابنها،وأخاً من أخيه،وامرأة من زوجها.
    كلّ يوم يحلم بأن يفتح أبوابه في وجوه المنكودين،لكن حلمه يظلّ سجين ذاته؛ فهؤلاء الجنود الظّلمة يخنقون الفلسطينيين به من ظاهره ومن باطنه،كلّهم صهاينة،ولو اختلفت الوجوه والسّحن واللّغات.
    اليوم قرّر المعبر أن يحقّق حلمه،على حين غرّة وغفلة من الجميع خلع جسده المقيت من أسره المتعفّن،وهرب نحو البعيد،وترك مكانه لمن لا يخجلون من أنفسهم.

    عِرْض
    لا يخشى الموت أو الجوع،ويحبّ أرضه أكثر من محبّته لنفسه،ولكنّه يخشى أن يهدر رجال العصابات الصّهيونيّة عِرْض زوجته وبناته الثّلاث وحفيداته،لقد سمع قصصاً تشيّب القلب قبل إشابة شعر الرّأس عن هتك أعراض الفلسطينيين في القرى المجاورة التي داهمتها العصابات الصّهيونيّة.
    قرّر أن ينجو بعرض زوجته وبناته وحفيداته وزوجات أبنائه،حملهنّ جميعاً على عجل،وقرّر أن يطير بهنّ بعيداً عن أيدي الغاصبين،أمّا أولاده الذّكور الخمسة وبنيهم فقد تركهم يدافعون عن أرضهم في وجه من يريد أن يهتك عرضها.
    سار يغذّ الخطى مع الهاربين خوفاً على أعراضهم،كانت النّساء تسير في المقدّمة والرّجال في المؤّخرة لحمايتهنّ.عندما وصلوا جميعاً إلى النّهر شرقيّ وطنهم،ترك زوجته وبناته أمانة في حضن المتأهبين لعبور النّهر،وقرّر أن يعود ليحمي عرضه الأرض.

    صحراء
    الجيش الصّهيوني سرق أربعة من أخوتها؛ثلاثة منهم قتلهم وهم يدافعون عن الصّحراء الفلسطينيّة،ورابعهم جنّدوه في صفوفهم حتى نسي أهله،وقلع ذاكرة قلبه وأصله،وغدا أسوأهم فتكاً بالفلسطينيين.
    هي قرّرت أن تنتقم ممّن سرقوا إخوتها الأربعة،وتركوها وحيدة في الصّحراء معلّقة بين الفقد والعار،استغلّت جمالها البدويّ الفاتن كي تنصب الكمائن للصّهاينة،تتبدّى لهم في الوقت المناسب،تُسيل لعاب شبقهم،تستدرجهم فُرادى إلى قلب الصّحراء المشحون ببغضهم،بالحيلة تجرّدهم من سلاحهم وعتادهم وأجهزة اتّصالهم،وتتركهم عراة تائهون في الصّحراء حتى تدفنهم فيها بعد أن تمتصّ أرواحهم الخبيثة،وتبصقها في الشّمس كي تتطهّر من رجسهم.


    معرض لوحات

    يحمل الجنسيّة الصّهيونيّة رغم أنفه بحكم أنّه يعيش في إحدى المدن الفلسطينيّة التي يحتلّها الكيان الصّهيونيّ،ويعدّها من جسم كيانه الاستدماريّ،لكنّ قلبه فلسطينيّ مهما حمل من جنسيّات مفروضة عليه.
    أقام معرضاً للدّمار الذي ألحقه الكيان الصّهيونيّ بقرى فلسطين ومدنها وحواضرها وطبيعتها عبر لوحات رسمها بنفسه،بعد أن ساندته بعض المنظّمات الإنسانيّة الدّوليّة والمحليّة في مسعاه،واستصدرت له إذناً عسكريّاً يسمح له بإقامة المعرض.
    جاء الكثير من الفضوليين الصّهاينة إلى المعرض،أثارت اللّوحات المتقنة فضولهم،أحدهم مال عليه برأسه الخنزيريّ الكبيرالأحمر،وسأله بفضول:"هل أنت من رسمت هذه اللّوحات؟!
    أجابه الرّسام الفلسطينيّ: "بل أنتم من رسمتموه".

    بيت
    كان بيته صغيراً يضيق بأسرته الكبيرة وضيوفهم الذين لا ينقطعون،لطالما تمنّى أن تحصل عائلته على بيت أكبر في وطنهم ليظفر ببعض الرّاحة والخصوصيّة في غرفة خاصّة له بدل أن ينام كسمكة مخلّلة بين أخوته الكُثر.
    الاحتلال قصف بيتهم الصّغير،فتطاير نتفاً يمنة ويسرة،جميعهم وجدوا أنفسهم في العراء دون مأوى،أمّه استسلمت لعويل مجلجل،وإخوانه تنافسوا لأن يجدوا مكاناً ينزون فيه حتى يجدوا مأوىً لهم بعد أن دفعهم الجنود الصّهاينة بعيداً عن الأرض التي هي ذكرى دارسة لبيتهم،أمّا هو فابتسم بشماتة في وجوه الجنود الصّهاينة لأنّه يستطيع الآن أن يتّخذ من فلسطينه بيتاً كبيراً له يسرح ويمرح فيه كيفما شاء دون ضيق.

    جملة واحدة
    لم يبقَ له من بيته وأسرته سوى جملة واحدة على بقايا جدار،لقد كتبها قبل أيّام عندما كان يملك أسرة،وكان عنده بيت،كتبها وأمّه تلومه لأنّه أفسد طلاء الحائط بالكتابة عليه،ولكنّها خجلتْ وصمتتْ عندما قرأتْ الجملة التي كتبها عليه.
    قرأ جملته النّاجية من الموت " فلسطين داري،ونحن باقون فيها"،بعض حروفها تكاد تختفي بسبب تقشّر طلاء الحائط جرّاء القصف،يعتلي حجراً من أحجار بيته الشّهيد،ويأخذ بعضاً من دمه ليلوّن حروف جملة" فلسطين داري،ونحن باقون فيها" كي لا تندثر أبداً.
    مسجد

    لم يعتقد يوماً أنّ شيخهم في المسجد الذي يعلّمهم تلاوة القرآن وتفسيره هو أوّل من سوف يذبحه الجنود الصّهاينة،كان يراه أطيب من برأ الله؛فهو لم يؤذِ بشراً في حياته،وقضى عمره متبرّعاً بتعليم تلاوة القرآن لأهالي مدينة نابلس،يعرف تلاميذه كلّهم من أصواتهم تلاوتهم على الرّغم من أنّه كفيف البصر مذ وُلد.
    اغتالته رصاصة الغدر الصّهيونيّة وهو على سجادة الصّلاة في المسجد الكبير،لا تزال آثار دمه واضحة على سجادته،يداعب قطنها بيتم وبفقد،يفتح مصحف شيخه الشّهيد،يقرأ آيات كريمات منه،ثم يقبّل المصحف،ويضعه في جيبه تبرّكاً به،وينطلق يحمل حزنه وكومة حجارة بيده علّه يظفر برأس من قتل معلّمه الشّيخ.

    تضامن
    أبوه وأعمامه الثّلاثة في إضراب مفتوح عن الطّعام في معتقل المحتلّ احتجاجاً على اعتقالهم دون جريمة،جدّته لأبيه في إضراب مفتوح عن الطّعام إلى حين الإفراج عن أولادها الثّلاثة،وهو في إضراب عن أيّ إضراب حتى ينمو ويكبر سريعاً كي يُخرج أعمامه الثّلاثة من المعتقل؛هو متأكّد أنّهم يستطيعون تحمّل الجوع حتى يكبر،وينقذهم ممّا هم فيه،فهم-في عينيه- أقوى الرّجال في الدّنيا،أمّا جدّته لأبيه فعليه أن يقنعها بأن تستبدل الدّعاء المخلص على العدوّ بالإضراب؛فجسدها الضّعيف المريض لا يحتمل الجوع.

    لثام
    الجنود الإنجليز حاصروا الثّوار الفلسطينيين في الجّبال،فاضطروهم إلى أن يلجأوا إلى المدن المجاورة لهم،ظنّوا أنّهم سوف يلتقطونهم الواحد تلو الآخر بكلّ سهولة؛فهم جميعاً يلبسون كُوفيّات فلسطينيّة،ويتلثّمون بها ليخفوا شخصياتهم الحقيقيّة،ويعيونهم فتكاً وانتقاماً منهم،أمّا أهل المدن الفلسطينيّة فلا يلبسون هذه الكُوفيّات،وإنّما يتيهون بـ(الطّربوش) الأحمر ذي (الشّرشوبة) السّوداء.
    الخطّة سهلة ومضمونة النّتائج،تتلخّص في حملة عملاقة لمداهمة المدن الفلسطينيّة بالآلاف الجنود الإنجليز،فيقبضون على الثّوار كلّهم في يوم واحد،ثم تموت الثّورة ضدّهم بعد أن يعلّقوا الثّوار على أعواد المشانق على امتداد الطّرق المدن الفلسطينيّة حتى الجبال مقرّ الثّورة.
    جاء الصّباح،وداهم الجنود الإنجليز المدن الفلسطينيّة في لحظة واحدة ليجدوا أنّ رجال المدن وصبيانها جميعاً قد لبسوا الكوفيّات،وتلثّموا بها،فاختفى الفدائيّون بينهم.ارتبك (الجنرال) الإنجليزيّ وأسقط في يديه،وابتسم الثّوار.

    انتظار
    يؤرّخ الأزمان جميعها بالانتظار؛سوف يهجرون هذا المخيّم،ويعودون إلى بيتهم في القرية عندما يرحل الصّهاينة،وهم لا يرحلون.سوف يتزوّج عندما يخرج أخوه (مصعب) من المعتقل الصّهيونيّ،وهو لن يخرج أبداً ما دام محكوماً بأربعة مؤبّدات؛لأنّه حمل حجراً في وجه أعدائه.سوف تذهب أمّه إلى الحجّ عندما تقطف أشجار الزّيتون لهذا العام،ولكنّها لن تقطف ثمار الزّيتون في أيّ وقت؛فقد اقتلعت آليّات الدّمار الصّهيونيّة أشجار الزّيتون جميعها.
    يقرّر أن يرحّل العدّو الصّهيونيّ،وأن يخرج أخوه من المعتقل،وأن تذهب أمّه إلى الحجّ هذا العام مهما كلّفه هذا الأمر،يعرف طريقة واحدة لتحقيق ذلك كلّه دون انتظار،يركب آلة التّجريف العملاقة التي يعمل سائقاً أجيراً عليها في مشروع إسكانيّ،ينطلق بها مسرعاً،ويجرف بها قطيعاً من الجنود الصّهاينة،ويظلّ يطارد الجنود الهاربين من أمامه والمستدمرين الموجودين في المكان كي يسحقهم جميعاً،ليتحقّق المنتظر.

    بحر أسود

    مرّات قليلة هي المرّات التي سُمح لعائلتها فيها بأن تصل إلى شاطئ غزّة،وأن تقضي وقتاً سعيداً في مداعبة مياهه الزرّقاء الصّافيّة،أمّها أخبرتها إنّه صافٍ مثل قلوب الشّهداء.
    عندما استيقظت هذا الصّباح وجدتْ بيتها يكاد يغرق في مياه قذرة منتنة الرّائحة قد اجتاحت شوارع حيّها وزقاقه،إنّها مياه الصّرف الصّحيّ قد أطلقها الصّهاينة عليهم من جديد كي يعذّبوهم أكثر فأكثر؛ابنتها الصّغيرة تسألها بفضول وقد أدهشها اللّون الأسود القاتم الذي ابتلع الشّوارع ثم ابتلع أرضيّة بيتها:"بحرنا لونه أزرق،فهل هذا البحر الأسود للصّهاينة؟"
    أجابتها الأمّ بقرف من الرّائحة الكريهة التي تزكم أنفها:" نعم،إنّه بحرهم".

    هواية

    تعوّد على أن يطوّر هواياته بما يتناسب مع إمكاناته الجسديّة ومعطياته الماديّة وإصراره على الانتقام من مغتصب وطنه الجبان؛في طفولته كان يجيد الجري،ولذلك كان يتعمّد أن يترك حقيبة محشّوة بالحجارة على أيّ رصيف أمام دوريّة الجنود،ثم يركض بعيداً عنها حتى يتوارى عن الأنظار،ويقف يراقب الجنود الصّهاينة يهربون مرتعدين من حقيبته الصّغيرة التي يظنّون أنّ فيها قنبلة ما.
    عندما كبر طوّر هوايته لتصبح فقئ عيون الجنود الصّهاينة عبر مقلاعة جلديّة صنعها بنفسه.
    وعندما حصل على سلاح بعد انضمامه إلى صفوف المقاومة الفلسطينيّة غدت هوايته أن يقطف رؤوس الجنود الصّهاينة،وينذر كلّ رأس منها لفلسطينيّ قتلوه ظلماً وعدواناً.

    وليّ

    أرادوا اللّهو بتخويف الفتى الفلسطينيّ الأغرّ الذي قبضوا عليه في أعلى الجبل يرعى عنزاته القليلة،استفردوا به،واستغلّوا أنّه وحده أعزل من رفيق مُعين أو سلاح حامٍ،فقيدوه،وجرجروه إلى مقبرة الوليّ الشّهيد الفدائيّ في أعلى الجبل،ثم انهالوا عليه صفعاً وهو مقيّد الذّارعين والعينين،وتناولوا من الأرض حجارة مدبّبة الرؤوس كي يكسّروا بها عظامه على مهل.
    الوليّ الشّهيد الفدائيّ لم يطق صبراً على ما يشهد من اعتداء خبيث على الفتى الأعزل الوحيد،خرج من قبره،أطلّ من ملابسه الدّامية،وجهه كان هلامي القسمات،حضر الشّهداء جميعاً في وجه،هيبتهم نامتْ في صمته،أشرق بهاؤه على الدّنيا،فعمّ الظّلام في عيونهم،طارتْ قلوبهم بعيدا عنهمً خوفاً من تجلّيه،وطاروا خلفها يتعثّرون بجبنهم وتدافعهم للنّجاة بأرواحهم من غضب الشّهيد الوليّ.

    جمهورية فلسطينيّة لـمدة 95 كيلو

    اسمها دلال المغربيّ،واسمها الحركيّ في الفداء (جهاد)،أحلامها كبيرة،ولكنّها الأكبر منها على الرّغم من أنّ عمرها لا يتجاوز العشرين عاماً من سنين العذاب الفلسطينيّ التي ذاقت فيها ويلات التّهجير والشّتات والمذابح وعذابات المخيمات وضنك الحياة والفقر والاضطهاد والظّلم.
    الآن هي بإجلال وتقديس تقبّل العلم الفلسطينيّ الذي كانت تطويه في جيب ملابسها العسكريّة التي تشفّ عن جسدها الهزيل الصّغير الذي قَدّ ثوب الطّفولة منذ زمن طويل،وهجر الأنوثة المتقاعسة المهزومة،وقرّر أن يكون حطباً مقدّساً في أتون الوطن،لقد تدرّبت طويلاً على أيدي أمهر الفدائيين الفلسطينيين في لبنان لتصل أخيراً إلى هنا،وتعلّق علم وطنها في مقدّمة الحافلة التي تختطفها.
    الآن هي تحّقق حلمها،وتحرّر تل الربّيع لا تل أبيب من قبضة العدو الصّهيونيّ لمدّة ست عشرة ساعة،وتعلن الجمهوريّة الفلسطينيّة الحرّة المنتصرة على امتداد 95 كيلو في العمق المحتلّ من تل الرّبيع من حافلة صّهيونيّة اختطفتها هي ومجموعتها الفدائيّة،ليرفرف العلم الفلسطينيّ بكبرياء في مقدّمة الحافلة العسكريّة التي تخطفها أمام دهشة العيون الصّهيونيّة التي ترتعد بخوف وجبن.
    تصرخ فيهم،وتقول بنبل وفروسيّة نادرة :" نحن لا نريد قتلكم،نحن نحتجزكم فقط رهائن لنخلص رفاقنا المعتقلين من براثن أسركم.نحن شعب يطالب بحقه بوطنه الذي سرقتموه.ما الذي جاء بكم إلى أرضنا ؟!"
    وعندما تقرأ في عيونهم أنّهم لا يفهمون ما تقول توكل لمجندة صهيونيّة محتجزة- تزعم أنّها من أصول يمنيّة -مهمة ترجمة ما تقول لهم،وهي تلفظ كلماتها بصوت جهوريّ شجاع:" هل تفهمون لغتي أم أنكم غرباء عن اللّغة والوطن !!!.
    هي تترنّم،وتهتف مع زملائها الفدائيين:"لتعلموا جميعكم أن أرض فلسطين عربيّة، وستظل كذلك مهما علت أصواتكم وعلا بنيانكم على أرضنا.
    بلادي... بلادي... بلادي لك حبّي وفؤادي
    فلسطين يا أرض الجدود إليك لا بد أن نعود"
    العيون الصّهيونيّة العالقة في الخوف تحاصرها بدهشة،وهي لا تصدّق أنّ هذه الفتاة الفلسطينيّة الصّغيرة قد بلغت الجرأة بها وبأحد عشر شاباً فلسطينيّاً،بينهم لبنانيّ ويمنيّ،أن يخترقوا شواطئ يافا المحتلّة،وأن ينزلوا عليها،وأن يصلوا إلى قلب مدينة تلّ الرّبيع،فيخطفون حافلة فيها نحو ثلاثين مجنّداً صهيونيّاً،ويجبرونها على التّوجّه إلى حيث يريدون عبر طريق عسكريّ،ثم يخطفون حافلة أخرى،وينقلون الجنود الذين فيها إلى الحافلة الأولى،ليصبح عدد المختطفين ثمانيّة وستين جنديّاً،ويعلنون أنّهم عادوا إلى وطنهم لتحرير رفاقهم الفلسطينيين الأسرى.
    هي قد حقّقت حلمها أخيراً بإعلان تحرير وطنها،فهي تعيش أجمل لحظات عمرها في عمق الأراضي المحتلّة من وطنها بعد أن حرّرتها ولو لزمن قصير،هو زمن عمليّة الاختطاف وعبور 95 كيلو في داخل تل الرّبيع.
    لقد حاصرتها ومن معها من الأشبال الفلسطينيين جماعات سوداء آثمة من الجنود والمروحيّات والآلات العسكريّة الثّقيلة الصّهيونيّة بقيادة الإرهابيّ المحتلّ (إيهود باراك)،لكنّها لم تخف،ولم تتراجع،وظلّت تقاتل حتى آخر طلقة معها إلى أن أُستشهد معظم من كان معها من رفقاء التّضحية،واخترقتْ رصاصة أعلى عينها اليسرى،وأسلمتها للنّوم الأبدي العذب في وطنها.
    تكره أن يلمس بشر شعرها،ولكنّها لا تبالي بوحشيّة عدوّها (إيهود باراك) الذي يشدّها من شعرها،ويسحب جثمانها على الأرض،وينكّل به بغيظ دون أن يستطيع أن يمنع روحها من أن ترتقي إلى العُلا،وهي تمسك بأيدي رفاقها الشّهداء لتستقبلهم ملائكة السّماء مبتسمة مهلّلة.
    تبتسم ساخرة من عليائها وهي ترمق عدوّها الأحمق يمثّل بجسدها الشّهيد،تهتف بأهل الأرض نكاية به:"فلسطين حرّة عربيّة"،فتردّد السّماوات والأرضون جملتها المقدّسة.
    خيال الظّلّ

    يحبّ دور بطل خيال الظّلّ،ولذلك يعيش حياته عندما يرقّص دُماه،إلاّ أنّه لم يكن يوماً فرداً حقيقيّاً في حياة المغامرة والفضيلة والنّضال والبطولة والشّهامة والكرم التي تعيشها دُماه القماشيّة التي يصنعها ببراعة ودقّة قياساً بعشوائيّة هندامة وشعثاء خصال شعره،بل كان دائماً مجرّد مرقّص لدمى خيال الظّلّ،لا يعرف الكثيرون اسمه أو أصله على وجه الدّقة،ولكنّهم يتفاءلون به عندما يرونه يحطّ عزاله في مقهى من مقاهي مدينة القدس،ويعلن لهم عن موعد مسائيّ لعرض من عروضه التي تستحضر أبطالهم المحبوبين أمثال عنترة وسيف بن ذي يزن والأميرة ذات الهمّة والزّناتي خليفة وعروة بن الورد والمهلهل وعلي الزّيبق،وغيرهم،فيتوافدون عليه مساء ليدخلوا عوالمه الجميلة الحالمة مع صبيتهم وصغار صباياهم بقليل المؤن والهدايا والقروش التي يغدقون عليه بها.
    صوته كان بطلاً دائماً،أداؤه كان بطلاً،انفعاله كان بطلاً،قدرتّه على إحياء الأحداث كانت تدلّ على أنّ بطلاً ما يسكنه،ولكنّه كان يعيش حياة بسيطة ليست ذات جاه،يكفيها قليل المال ليقنع بها مادام يعيش للفنّ الذي يحبّه،ويعيش وسط أبطاله العرائس الذين يعيش معهم صداقة لا انفصام لها.
    إلى أن جاءت عصابات الصّهاينة،وهاجمت المدينة وقراها،واحتلّت ابتداء قرية القسطل،فتصدّى لها القائد (عبد القادر الحسينيّ) ليحرّر القرية الأسيرة،ويحطّم العصابات التي تنوي أن تستولي على فلسطين كلّها،لكنّ العرب رفضوا أن يساعدوه،وأن يمدّوه بالسّلاح،فقرّر أن يدافع عن وطنه بما يملك من عظيم رجولة وقليل رجال وسلاح،ثمّ انضمّ إليه الأحرار من كلّ مكان،وانضمّ إليهم صاحب خيال الظّلّ الذي ترك عزاله ودماه أمانة عند صاحب المقهى في السّوق القديم في القدس إلى حين عودته،ولحق بـ(عبد القادر الحسينيّ) ورجاله.
    أخيراً آن لرجل خيال الظّلّ أن يلعب دور البطولة الذي عاشه مرّة تلو الأخرى في عالم الخيال،ولم يعشه يوماً في الحقيقة،لقد قاتل ببندقيته اليتيمة حتى التقمه الموت بعد أن طارده كثيراً وهو يفتك برجال العصابات،فمنعه من أن يرى قرية القسطل قد تحرّرت من العصابات الصّهيونيّة،ولم يرَ قائده الأشوس يُستشهد في هذه المعركة،ولكنّه أخيراً لعب دور البطولة الخالدة الذي لطالما حلم به،وغادر الحياة راضياً مرضيّاً دون أن يعرف أحد ماذا كان اسمه أو من يكون.


    العيد

    خمسّة أعوام كاملة لم يدخل العيد بيتهم فيها؛في كلّ عام هناك موت صهيونيّ يغتال فرداً من أسرته أو من جيرانه،فيحرّم العيد على قلوبهم وبيوتهم،أمّا هذا العيد فهو يصمّم على أن يفتح الأبواب له على الرّغم من الحصار الذي يفرضه الجنود الصّهاينة على بلدتهم منذ أكثر من شهر بعد أن وعد أخاه الصّغير ذا الخمسة أعوام بأن يرى طقوس العيد في بيتهم،وهو من لم يرها في بيتهم مذ ولُد في ليلة استشهاد خاله(طلال).
    لقد أنفق ما ادّخره من عمله المتقطّع في البناء وما ادّخرته العائلة كلّها في رمضان محجور عليه بحصار طويل لاستقدام العيد بصورة تفرح قلب أخيه الصّغير.فجاء العيد متباهياً ببيت حنون يتناوب على ترقيص ملابس العيد الجديدة الخاصّة بالابن الأصغر،ويتزيّن بالبالونات الملوّنة والشّموع المتلألئة،سار العيد إليهم على هدي رائحة فطائر العيد المحشوة بالمكسّرات والتّمر والقشطة،لقد حلّ على بيتهم أخيراً بعد انتظار طويل،دخل من الباب،فخرجت روح أخيه من النّافذة برصاصة صهيونيّة قنصته وهو يأكل من فطائر أمّه،ويرقب قدوم العيد الذي سيقابله اليوم لأوّل مرّة في حياته.
بواسطة : rasl_essaher
 0  0  268