• !
×

rasl_essaher

قصة قصيرة تقاسيم الصّهيوني

قصة قصيرة


تقاسيم الصّهيوني


د.سناء الشعلان/ الأردن
أديبة أردنية من أصول فلسطينية


زوجة سارق

منذ أن بدأت تراقب تلك الفلسطينيّة التي تعيش في كوخ صفيحيّ في أرضها،وهي ترى العالم من زاوية أخرى،إدارة الكيان الصّهيونيّ أقطعت زوجها هذه الأرض،بعد أن صادرتها من عائلة تلك المرأة الفلسطينيّة التي صمّمت على أن تظلّ في مزق صغيرة من أرضها في كوخ صفيحيّ صغير.
قبل أن تجاور هذه المرأة الفلسطينيّة كانت تعتقد أنّها زوجة سعيدة تعيش مع زوج مثاليّ في أرض الميعاد،ولكن عندما راقبتْ حياة هذه المرأة الفلسطينيّة اكتشفت أنّهم مجرّد لصوص رعاع قد سرقوا أرضاً من أهلها،وأنّها ليست أكثر من زوجة مخدوعة تعيش مع عسكريّ عربيد يغتصب الأسيرات الفلسطينيّات في المعتقل في النّهار،ويعربد مع العاهرات في اللّيل،ويتركها خادمة حبيسة البيت.
هي متعاطفة مع تلك الفلسطينيّة،هذه الأرض هي حقّها الشّرعيّ،تطلب من زوجها أن يردّ الأرض التي سرقاها إلى صاحبتها الفلسطينيّة،وأن يستقيل من عمله،وإن يعودا إلى فرنسا ليعيشان هناك في موطنهما الأصلي،لكنّه يرفض ذلك،ويواجهها بعاصفة من الغضب بعد أن يضربها ضرباً مبرّحاً.
تقرّر أن تنفّذ رغبتها رغم أنفه،تُعدّ له الفطر المشروم الذي يحبّه،تختاره بعناية من النّوع السّام،تطهوه له،وتقدّمه له مساء على العشاء اعتذاراً له عمّا صدر منها في حقّه في الصّبح،وتأكل معه ليواجها معاً الموت الذي يستحقّه كلّ لص.

صمت

كانت هزيمة نكراء لهم أمام الفدائيين الفلسطينيين،لقد تجرّع مع زملائه المجنديّن معنى الخوف والموت والهزيمة،كانوا في كلّ مكان،لم يكونوا بشراً،بل أشباح طاردتهم،وقتلتهم،ودمّرت ذخيرتهم،لم ينجُ من تلك المصيدة الإبليسيّة سواه وبعض من الجنود الجرحى.
أمضى شهراً في العلاج النّفسي كي تسمح إدارة الجيش الصّهيونيّ لأسرته بمقابلته بعد أن لقّنوه الكثير من الأكاذيب عن نصر كاسح لم يحدث إلاّ في خيال الكاذبين الذين أجبروه على ترديد هرفهم كي لا يعرف الصّهاينة أنّهم مهزومون حتى النّخاع.
قرّر أن لا يردّد أيّ كلمة من هذه الأكاذيب،وحرّم الكلام على نفسه،وتظاهر بالخرس،ولزم الصّمت إلى الأبد.

أغنية عربيّة

بسريّة تامّة تداعب وجدانها وأحلامها بسماع الأغاني العربيّة ذات اللّهجة المصريّة،فمن الممنوع عليها أن تظهر تعاطفاً وحبّاً لأيّ شيء عربيّ،ولو كان أغنية.
جاءت إلى هنا بخدعة اسمها أرض الميعاد،وعندما علقت في شباكها أدركت أنّ الأرملة السّوداء الصّهيونيّة ستأكلها لأنّها يهوديّة شرقيّة كما يسمّونها.
أمثالها كثر من اليهود الشّرقيين الذين جاءوا مخدوعين إلى هذه الأرض راكضين وراء وهم كبير،ليست يهوديّة شرقيّة،هي يهوديّة مخدوعة تركتْ أهلها في مصر كما ترك غيرها أهله في المغرب واليمن والعراق،وجاءوا ليُحرقوا جميعاً في هذا المكان.
هناك من حيث جاءتْ لم يكونوا يعيّرونها بلقب اليهوديّة،لكن هنا في هذه المستوطنة الصّهيونيّة فهي تُعيّر بسبب أو دون سبب بأنّها شرقيّة قادمة من مصر،وتحصل على أدنى الاستحقاقات،في حين أنّ اليهود الغربيّ يحصل على الامتيازات كلّها.
لا تستطيع أن تعبّر عن غضبها من خديعتها،وعن ندمها النّاخز لأنّها تركتْ شاطئ الإسكندرية حيث المرح والحبّ والجيران والصّحبة الحلوة،وجاءت لتُخزّن حتى تموت في صندوق معدنيّ في مستدمرة معزولة في أعلى صلد الجبال.
هي تنتقم كلّ يوم ممّن أتى بها إلى هنا بأن تسمع سرّاً الأغاني العربيّة المصريّة،وتطرب لها،وتترنّم بكلماتها العربيّة بحبّ وفرح وتعلّق،وتحلم بقدميها يُغمران برمال شاطئ الإسكندريّة بعيداً عن هذه المستدمرة الملعونة.


السّوط

يدرك من أعماقه كم هو مجرّد من الأخلاق والقيم والنّبل،ويلقّب نفسه باعتزاز في ساعات سكره بـ( المنحطّ).أمّا عندما يستيقظ فيهمس لنفسه بهذا اللّقب دون توقّف.
هو ابن زنا بشهادة كلّ من يعرفه،لا يعرف له أباً أو أمّاً على وجه التّحديد والجزم،لكن تلك المدرسة الدّينيّة الصّهيونيّة المتشدّدة في القدس هي من كفلته مذ لفظ والداه،وربّته حتى خرج وفق ما تشاء وتشتهي مجرّداً من الأخلاق والقيم والإنسانيّة،ينفّذ كلّ جريمة تُسند إليه بأعصاب باردة وضمير ميّت.
في أوقات العمل يمارس مهنته القميئة كفرد من أفراد قوات (النّحشون) التي تحترف تعذيب الأسرى الفلسطينيين في المعتقلات ومراكز التّحقيق وغرف الإعدام.
يعجبه أن يبدأ وجبات التّعذيب بضرب الأسير الفلسطينيّ بالسّوط حتى يدمي ظهره ووجه وكتفيه وبطنه وفخذيه،ثم ينقضّ عليه مستغلاً تقيد يديه وقدميه كي ينتش لحمه بفكّه الثّعلبيّ.
أمّا في أوقات عطله الرّسميّة فيكتري بـ(شواكله) الكثيرة أشرس بنات اللّيل جسداً وطبعاً،ويطلب منها أن تقيّد رجليه ويديه،وأن تنهال عليه ضرباً بالسّوط ذاته الذي يضرب بها ضحاياه في المعتقل،حتى تهدّ صوته صراخاً واستغاثة دون مجيب.
هو لا ينام حتى تبصق إحدى بائعات الهوى في وجهه،وتنعته بـ (ابن الزّنا)،عندئذ يستريح، وينام إذ ينال ما يستحقّه من الاحتقار والتّعذيب.


ثوب

دفع لها الموساد الصّهيونيّ الكثير من المال كي تسخّر مهنتها كعارضة أزياء متقاعدة وصاحبة أكبر دار أزياء في لندن لأجل أن تروّج لصورة المرأة الصّهيونيّة وهي تلبس الثّوب الفلسطينيّ،مهمتها أن تسرق هذا الثّوب من المرأة الفلسطينيّة،وأن تزرع في مخيال العالم وذاكرته أنّه من تراث الصّهاينة.
راق لها أن تكسب الكثير من المال الذي تعبده مقابل هذه المهمّة السّهلة،وإن لم يعجبها منظر الثّوب الفلسطينيّ الذي يستر الجسد،ويغلق أبواب الطّمع دونه،وهي من اعتادت على أن تكون بضاعة جسد رخيصة تسوّق الدّعارة في العالم كلّه،وتعرض جسد المرأة لكلّ مشترٍ.
لكنّها ما استطاعتْ أن تستمرّ في هذه الصّفقة؛فهذه الأثواب الفلسطينيّة تصيبها بمرض عجيب،كلّما لبستها شعرت بأنّها فلسطينيّة،وسرتْ في جسدها قشعريرة الغضب على العدوّ الصّهيونيّ،وانتابتها حمى الهتاف بجملة(فلسطين حرّة)،وأحياناً تستبدّ بها هذه اللّعنة،فتلتقط حجارة الطّريق تلقمها لكلّ صهيونيّ تعرفه في لندن،أو تلتقيه صدفة أو بترتيب مسبق.
هذه اللّعنة طالت كلّ عارضة من عارضات الأزياء التي تعمل في دارها عندما لبستْ الثّوب الفلسطينيّ،لم تعد تطيق أن ترى الثّوب الفلسطينيّ أمامها.
أرسلت رسالة اعتذار عن مهمتّها لرئيسها الأعلى في الموساد،شرحتْ له فيها لعنة هذه الثّوب،وختمتها بقولها:"إنّه لهم،لا فائدة من سرقته،دعوه عنكم فإنّه لعنة علينا".

لصّ

هناك في إسبانيا سجنوه لأكثر من مرّة لأنّه لصّ يهوى سرقة المحافظ والحقائب النّسائيّة.عندما هاجر إلى أرض الميعاد الخديعة أصبح لصّاً برتبة جنديّ صهيونيّ يخدم كياناً لصّاً قد سرق وطناً كاملاً من أهله،كلّ عهدة ماليّة كانت في ذمّته اختلسها دون أدنى شعور بالذّنب،انكشف أمره سريعاً،فحوّل إلى محكمة عسكريّة قضت بسجنه خمس سنوات مع الأعمال الشّاقة وردّ ما سرقه من أموال عسكريّة،تفاجأ من هذا الحكم الجائر عليه وفق رأيه،وقال للقاضي باستهتار وتحدٍ وغمزة ذات معنى:" لكم مالكم المسروق الذي سطوت عليه إن أعدتم فلسطين التي سرقتموها إلى أهلها،أُعيد نزير ما سرقتُ مقابل أن تعيدوا عظيم ما سرقتم".
بعد جلسة مداولة اسئنافيّة عاجلة ابتسم القاضي ابتسامة ذات معنى مريع،وحكم ببراءة الجنديّ اللّص!


رأفة

المذيع الصّهيونيّ كان يعرض في برنامج إعلاميّ يُبثّ بثّاً مشتركاً بين عدّة فضائيّات عالميّة تقريراً مصوّراً عن هدم بيت لذوي فدائيّ فلسطينيّ،المذيع أسماه مخرّباً لأنّه يدافع عن وطنه.
الجنود الصّهاينة في الفيلم حاصروا بيتاً فلسطينيّاً على رأس جرف صخريّ،لم يعطوا فرصّة لأهله كي يهربوا منه لولا أن أدركت أصوات الجرّافات أسماعهم لما خرجوا مسرعين حفاة مذعورين من طوابق البناء الأربعة،اندفعوا مثل سيل بشريّ خارجه،كانوا عائلة كبيرة،الكبير يتكئ على الشّاب،والصّغير يركض وراء أم أو أب يحمل أخاً أصغر منه وهم جميعاً يسابقون الزّمن كي لا يُدفنوا تحت ردم بيتهم،بعض النّسوة تعلّقن في طريق خروجهنّ بياقات بذلات بعض الجنود الصّهاينة ليدفعوهم بعيداً عن بيوتهنّ في محاولة أخيرة يائسة لإنقاذهّ،لكنّ سعيهنّ ذهب أدراج الرّيح والجرّافات تهمر مقتربة بسرعة ذئبيّة لتنشب أظافرها الفولاذيّة في جسد البيت.
فجأة تقترب (كاميرا) التّصوير من جنديّ صهيونيّ في المكان ينحني على عتبة البيت ليلتقط قطّة صهباء من أمامه.(الكاميرا)اقتربت من هذا المشهد حتى كاد يلتصق زجاج عدستها بيدي الجنديّ المشعوعرتين وهما تلتقطان القطّة،وترفعانها عن أرض العتبة.رفع المذيع عقيرته مثمّناً رأفة الجنديّ الصّهيونيّ بالحيوان،وطالب العالم بأن يقف احتراماً لأخلاق الجنديّ الصّهيونيّ الذي يبعد حيواناً أليفاً عن مكان هدم بيت فلسطينيّ.
صوت تصفيق كادر (الاستوديو)علا بتصفيق مزلزل لهذه الرّأفة المزوّرة،العالم كلّه هدر بالتّصفيق والتّصفير لرحمة هذا الجنديّ الصّهيونيّ،وهتف سعادة لإنقاذ القطّ الأليف الذي نجا دون أهله، ولم يلمح في الفيلم المصوّر بيتاً فلسطينيّاً يُدفع بأسنان الجّرّافات ليتداعى في قاعة هاوية الجبل،ويترك أهله يندبونه،ويندبون تشرّدهم أمام عيون العالم الذي يتعاطف مع قطّ أصهب أكثر من تعاطفه مع شعب أسود الحياة.

خديعة

انتفض المستوطن الصّهيونيّ غاضباً مثل ديك ينتفش فوق مزبلة،وتهيّأ لينقر مسؤول المستوطنة بكلماته السّائبة من معدن نفسه الخسيسة الغاضبة.تجمّع حشد من المستوطنين حوله،خمّن مدير المستوطنة أنّهم متّفقون على موقف ما.
سأل المستوطن الدّيك:"أين هما العسل واللّبن اللذان هاجرنا إلى هنا من أجلهما؟! إنّنا لا نرى حولنا غير الموت والخراب والتّدمير والخوف".
عدّل مدير المستوطن طاقيّته الصّغيرة الهابطة فوق رأسه مثل براز طائر،وردّ بلا مبالاة وهو يشير بسبابته إلى الأعلى حيث السّماء:"العسل واللّبن ليسا هنا،بل هما هناك في الجنّة".

رجل

علّمها العمل العسكريّ في الجيش الصّهيونيّ أن تكون عاهرة بدرجة عسكريّة،فليس لها إلاّ أن تقبل بمضاجعة كلّ مسؤول عسكريّ يستهويه جسدها الممشوق،وشعرها الأحمر الطّويل السّائب،ومع مرور الوقت اعتادت على أن تبيع جسدها لكلّ من يدفع ثمنه امتيازات وهدايا وحفلات ورحل وترقياتٍ في العمل من منطلق أنّ جسدها أفضل سلعة تستطيع المتاجرة بها.
سعارها الجنسيّ وروحها الرّخيصة وإصابتها بمرض (الإيذر)جعلتْ قائد المعتقل الصّهيونيّ ينفر من جسدها،ويهجره دون عودة،وينتدبها لتعذيب الأسرى الفلسطينيين بأعتى طرق التّعذيب الجنسيّ،وعندما تملّ من تعذيبهم تحقنهم ببعض دمائها المعلول لتنقل لهم مرضها لتحمّلهم عار المرض أمام الأهل والوطن قبل الموت بعذاب طويل.
لكن ذلك الأسير الفلسطينيّ المتديّن ذا الوجه الملائكي البشوش لم يستلم لها،وظلّ ينعتها بالعاهرة القبيحة،ورفض جسدها الرّخيص المهدور أمامه،ولم يتأوه للحظة في تعذيبها الجنسيّ له كي لا تقرّ نفساً بعذابه،ولا تشعر بانتصار بطشها على جسده،لقد ظلّ صامداً أمامها مثل جدار صلد أصمّ،فتّتت عضوه الذّكريّ بضربات الصّاعق الكهربائيّ،لكنّها لم تسمع منه استجداء لرحمته،زادتْ من ضربات الكهرباء كي تنتزع توسّلاته،فانتزعتْ روحه.
أغاظها أن يهرب إلى الأبد من بطشها وانتقامها،لقد هرب من جسدها الذي حقّره،ونفر من رائحة صنانه،بكتْ قهراً من صدّه لها،سألتها الجنديّة الصّهيونيّة شريكتها في تعذيبه عن سبب بكائها.أجابتها بيأس:"لقد رفضني،هو الرّجل الوحيد الذي رفض جسدي،هو الرّجل الحقيقيّ الذي قابلته في هذه الحياة،ولذلك قتلته".


آر.بي.جي

من جديد يراهم أمامه أطفالاً فلسطينيين صغار بأجساد هزيلة يحملون مدافع (الآ.ربي. جي)،جميعهم يملكون وجهاً واحد،كلّما قتل أحدهم بقذيفة أو خرّقه بعشرات الطّلقات رأى طفلاً بالوجه ذاته يهاجمه من جديد.
إنّهم في كلّ مكان ها هنا في هذا المخيم الفلسطينيّ في لبنان،لقد قيل لهم إنّها ستكون نزهة سريعة،يقضون فيها على الفلسطينيين في ساعة لاغير،ثم يعودون أدراجهم مكلّلين بورق الغار المسروق من جبال لبنان،لكن هذا لم يكن،بل هم من فرّوا من أمام الأطفال المقاتلين مهزومين مذعورين لا يلون على شيء وراءهم.
إنه يرى الوجه نفسه يحدّق فيه،العينان ذاتهما تواجهانه دون خوف،لا يفرّ الطّفل من أمامه،بل يطلق قنبلة من مدفعيّته،فتفتك بزميل من زملائه الجنود الصّهاينة،ثم قبل أن يستطيع أن يفرّ بعيداً بمدفعيّة (الآ.ربي.جي) يعاجله بقذيفة من فوّهة الدّبابة التي يحتمي بها،فتناثر الفتى أشلاء وقطم لحم صغيرة.
إنّهم في كلّ مكان،الوجه ذاته يهاجمه في حلمه،يستيقظ مفزوعاً وقد تبوّل في فراشه،تنهره زوجته بقرف،وقد عامتْ في بوله،وتقول له:"عليك أن تراجع الطّبيب النّفسي من جديد".
يجيبها وعيناه تتربصان الوجه الطّفوليّ الكابوسيّ الذي يطارده في نومه ويقظته:"إنّه لا يستطيع أن يمنع ذلك الوجه الصّغير من أن يطاردني في كلّ مكان،لا توجد قوّة تستطيع أن تمنع هذا الوجه من مطاردتي،إنّه وجه يطاردني حتى يدفعني إلى الجحيم".


شارون

هو رقيق حسّاس الطّباع! يخدم وطنه المزعوم إسرائيل ولو داس على البشريّة جمعاء!هو يكره اللّون الأحمر لأنّه يكره رؤية الدّماء!ولذلك هو لا يمارس هوايته الآثمة،وهي قتل الفلسطينيين،إلاّ مغمض العينيين والرّوح كي لا يرى دم ضحاياه!

عَبْد

جاء من أثيوبيا راكضاً خلف أطماع وأوهام،زعم أنّه يهودي كي يظفر بحياة رغيدة كما وعده الحاخام الصّهيونيّ الذي حزمه وأهله والكثيرين من أهل مدينته الأثيوبيّة،وأطلقهم كقطيع أجرب في مستدمرة صهيونيّة يعزّ فيها الأمن والرّاحة والمعاملة الإنسانيّة الرّاقية.
عامله أبناء جلدته من الصّهاينة معاملة عبد آبق من سيده،كلّ ما وهبوا له على كره واحتقار هو بعض الطّعام وصندوق إسمنيتي ليعيش فيه مع أسرته ومكنسة حقيرة يكنس فيها المؤسّسة التي عيّنوه خادماً فيها.الآن هو عبد حقيقيّ،عبد من يهود (الفلاشا)،يسخر منه اليهود البيض لأنّه أسود اللّون والحظّ.
هو يتوق للحريّة،يقرّر أن يستعيد ذاته المسروقة،يحزم أبناءه بسريّة،ويعود إلى وطنه الحقيقي،ويبتعد عن فلسطين التي لا وطن له فيها،عندما يهبط وزوجته وأسرته على ثرى أثيوبيا يعود حرّاً من جديد.


كتاب

كتابه "التّطهير العرقي في فلسطين" هو أقدس ما أنجزت نفسه،يتأبّطه باعتزاز وحرص وإجلال،ويهرب على عجل وحذر من عنصريين صهاينة يرجمونه بسبّة الخيانة،ويرشقونه ببصاقهم،ويجلدونه بقولهم:"إيلان بابيه يا خائن،ياعميل العرب".
لا يبالي بما يكابد،فأخيراً كتب قلمه الجريء الحقيقة كاملة وبإنصاف كامل بعد أن أدرك وحشيّة شعبه.أخيراً يستطيع أن يعيش بسلام،وأن يموت برضا؛فقد كتب الحقيقة التي أراد شعبه أن يطعمها للنّسيان.


متحف

الحاخام الصّهيونيّ كان يتجوّل في متحف الإنسان في باريس،ويسمع استعراض طالبه للأمم والأقوام التي انقرضت عن بكرة أبيها بهجمات إبادة وحشيّة من أعدائها المحتلّين،فيهزّ رأسه ابتهاجاً كلّما وقف أمام استعراض لأمّة منقرضة علي يدي محتلّ آثم.
الحاخام في نهاية الجولة انزوى جانباً في آخر العرض،وأخذ ينهق باكياً بحسرة خنزير يندب طعاماً في مزبلة لا يستطيع الدّخول إليها،سأله طالبه الخجول بقلق وارتباك عمّا يبكيه،أجاب الحاخام وهو يمسح مخاطه بكمّه:"إنّهم الفلسطينيون،لقد أحرجونا أمام العالم والتّاريخ عندما رفضوا أن نبيدهم،فنرتاح منهم،ويدخلوا هذا المتحف للعرض لا غير".


هواية

هوايته الصّهيونيّة الفضلى هي أن يرى رؤوس الأطفال الفلسطينيين تتدحرج بسرعة بعيداً عن أجسادها.يمارس هوايته في المخيمات الفلسطينيّة جميعها،يجد لذّة خاصّة في مطاردة الرّؤوس الرّاكضة قهراً بعيداً عن أجسادها في مخيم (صبرا وشاتيلا)، يتلذّذ طويلاً بالرؤوس العربيّة الصّغيرة الذّبيحة في مدرستي (بحر البقر) و(قانا).
وعندما تلتهب هوايته،وتسيط روحه بعطش حارق يدنو من رأس ابنه،ويهوي عليه بساطوره،فيدحرجه بعيداً عن جسده،ويشرع يراقب نافورة الدّم الصّهيوني الدّبق النّجس وهي تتعالى متقاذفة في فضاء سرير ابنه.
يضحك بشرهٍ ورضا وامتداد،ولكنّه لا يزال في عطش محموم متأجّج لاصطياد رأس طفل فلسطينيّ!

وسام

نال وسام البطولة في الجيش الصّهيونيّ من الدّرجة الثّالثة تقديراً لدوره المهم في إبادة مدرسة أطفال فلسطينيّة عن بكرة أبيها.
لقّبوه ببطل،أطلقوا اسمه على بعض المواليد الجدد،نشرتْ الصّحف الصّهيونيّة صورته بوصفه بطلاً وطنيّاً.
سرعان ما نسيه المحتفلون،وهجرته الصّحف،وأدار الإعلام ظهره له،وصدئ وسامه في درج من أدراج مكتبه،وظلتّ وجوه الأطفال الفلسطينيين الذين قتلهم بصاروخ جويّ واحد تطارده ليل نهار،وتنشب أظافرها في تلابيب روحه التي تعيش في جحيم أرضي لا ينقضي.

خُرافة

بعد أن اجتاز الدّورة المكثّفة،التي خاضها جبراً بتكليف من إدارة جيشه،صدّق أنّه جنديّ في جيش أسطوريّ لا يُهزم،لقد غذّته الدّورة بخرافة الشّعب المختار والجيش الذي لا يُقهر.الآن هو مستعدّ للخروج في أيّ مهمّة يُكلّف بها لأجل أن يسحق العرب أجمعين بل العالم كلّه مادام هو جنديّ في هذا الجيش الأسطوريّ.
مهمّته الأولى كانت سحق الفدائيين الفلسطينيين في لبنان،شرب ليلة التّكليف بمهمته الكثير من الخمر،وضاجع مراراً عاهرة صهيونيّة منخرطة معهم في العمل في الجيش،فلا بأس من تبديد طاقاته،فهولا يحتاجها في هذه المعركة النّزهة،فهي لن تستغرق منه الكثير من الوقت قبل أن يحصد النّصر،ويبيد الفلسطينيين،ويعود إلى وكره ليكمل عربدته.
أخيراً خرج في نزهته الحربيّة الموعودة،لم يقابل أيّ رجل فدائيّ كان،فقد تصدّى له ولجيشه الفدائيون الصّغار الذي رأوا أنّه وجيشه أحقر من أن يستدعي أن يخرج الكبار لهم،أمطروا الموت عليه وعلى مجموعته عبر قذائف(الآر.بي.جي)،في ساعات قليلة غدا جنديّاً أسيراً في أيدي صغار جبابرة،لم يقتلوه كما تخيّل،بل عرّوه من بنطاله ومن ملابسه الدّاخليّة،ولمزوه بأسلحتهم،فأطلق قدميه للرّيح التي تسخر من عريّه،وطار في درب الهروب لعلّه يعود حيّاً إلى أولئك الخادعين الذين أقنعوه بأنّه جنديّ في جيش أسطوريّ لا يقهر كي يبصق في وجوههم.

نسيان

قالوا له قبل أكثر من نصف قرن وهم يعلّمونه مبادئ الصّهيونيّة :"إنّ الكبار الفلسطينيين سيموتون،وأنّ صغارهم سينسون".
كان يستعرض الوجوه الفلسطينيّة الصّغيرة وهو يأمر بدسّها في المعتقل عقاباً لها على رجم الجنود الصّهاينة بالحجارة،أمر بتغليظ العذاب لهم،شتمهم،وشتم من أنجبهم،وبصق في وجوههم حتى جفّ ريقه،وكاد يختنق بجفافه،صفق الباب في إثر خروجهم وهم يُساقون بالسّلاسل إلى العذاب والجحيم معصوبي الأعين،بات يترنّم على صوت استغاثاتهم تزلزل السّماء،فرح بعذاباتهم،تشمّت بهم،ثم أخذ يشخر وهو يبكي بقهر،وهو يبتلع دموعه السّخيّة،وهو يقول:"إنّهم لا ينسون".

نبتة عطريّة

هي تسكن الطّابق الثّاني من بيت مقدسيّ أثريّ انتزعه الاحتلال الصّهيونيّ من أهله،وملّكوه لها ولزوجها ولابنتها،كان من المفروض أن تمارس كلّ ما يتفّتق ذهنها عنه من شرور وإيذاء لتزعج العائلة المقدسيّة التي تسكن الطّابق التّحتي،وتجبرها على الرّحيل،ولكنّها كانت تعجز عن ذلك بسبب طبيعتها النّفسيّة الخيّرة التي يكرهها زوجها وأهله،فيحثّونها دون انقطاع على أن تتخلّى عن شمائلها الطّيّبة لصالح مطامعهم وولائهم لكيانهم الصّهيونيّ.
وضعت يديها على حوض نبتة عطريّة لصاحبة البيت ضمن ما سطتْ عليه من أثاث وملابس في الطّابق الثّاني من البيت المقدس المغتال،أحبّت هذه النّبتة العطريّة التي لها رائحة فوّاحة طيّبة حنونة،لكن النّبتة في ذبول مستمرّ منذ أن استولتْ عليها.
خمّنت أنّ النّبات يحبّ أهله،وأنّ هذه النّبتة تفتقد صاحبة البيت المقدسّية التي زرعتها واعتنت بها،زمّت الحوض الصّغير،وهبطت به أدراج البيت،فألفت المرأة المقدسيّة في فسحة الحديقة الصّغيرة تضفّر شعر إحدى بناتها،وضعتْ حوض النّبتة العطريّة أمامها،وقالتْ لها بلهجة فلسطينيّة تكاد تتقنها:"هذه النّبتة تريدكِ".
ردّت المرأة المقدسيّة دون أن تلتفت إليها:"هذا طبيعيّ،فالشّجر يعرف أهله،ويرفض الغرباء".

طالب

يجب أن يكون سرّ معلّمه،وهذه فرصته الكبرى ليكون تلميذه المخلص السّائر على دربه،هو من علّمه أنّ البحث العلميّ والتّعليم الميدانيّ غايتان تستبيحان الوسائل جميعها أكانت إنسانيّة أم وحشيّة،وهما المقدّمتان على أيّ أخلاقيّات أو أدبيّات،ولذلك كان يستسيغ أن يشرّح أمامهم جسد أسير فلسطينيّ وهو على قيد الحياة؛لأنّه يريد أن يريهم كيف تعمل الأعضاء الحيويّة وصاحبها على قيد الحياة.
لقد أُغمي عليه عندما حضر الدّرس الأوّل من هذه الدّروس الميدانيّة المطبّقة على أجساد الأسرى الفلسطينيين،ولم يحضر منه إلاّ توغّل المشرط في صدر الأسير وصراخه الذي يمزّق أوتاره الصّوتيّة لشدّة ألمه،بعدها دخل في عالم من الغيبوبة اللّزجة القاتمة إلى أن أيقظه معلّمه الطّبيب الصّهيونيّ بصفعة خلعت سناً من أسنانه.
لم يغمَ عليه أبداً بعد هذه الصّفعة،وظلّ يتابع مشرط معلّمه الطّبيب يعيث فساداً وتعذيباً في أجساد الأسرى الفلسطينيين،وما عاد بعدها يعبأ بألم بشر،وتمنّى دائماً أن يلهو مشرطه في جسد معلّمه ليثبت له أنّ الطّالب قد يفوق معلّمه في الفعل الإبليسيّ.
الآن سيحقّق اللّهو الذي يحلم به،فقد جاءته الفرصة المنتظرة على طبق من ذهب؛معلّمه أمامه مشلول الحركة والنّطق،ويعاني من مرض نادر يستحقّ الاكتشاف،وهو المسؤول عنه في هذه المستشفى،لذلك يستطيع أن يُعْمِل مشرطه فيه دون أن ينبس ببنت شفة أو يطُلق زفرة احتجاج حتى لو قدّده الألم،لن يضيّع هذه الفرصة أبداً،يغلق باب الحجرة بالمفتاح،يضع المفتاح في جيبه الذي يُخرج منه مبضعه،ويشرع يسيّره في جسد معلّمه ابتداء من رقبته حيت تتبدّى الحنجرة نزولاً مثلّماً حتى أسفل بطنه.

أوزون

اجتمعوا جميعاً،وشكروا الله لأنّه خلق الفلسطينيين ليكونوا كبش الفداء في المصائب والمحن والشّدائد جميعها.في جلسة واحدة أسندوا لهم الجرائر كلّها:فهم من أفسدوا العالم،وسرقوا الخزائن العامرة،وحاربوا الآمنين،وبثّوا الأمراض والأحزان والمآسي والنّكبات في الأرض،وأشعلوا نيران الحروب العالميّة الماضية والآنيّة والمستقبليّة،وهم سبب المنازعات والتّناحر في كلّ مكان،بل هم من اخترعوا الموت،وقدّروه على البشر،لذلك وجب عليهم أن يُعذّبوا،وأن يقتّلوا،وأن يُشرّدوا.
في آخر قائمة الجرائم المسندة للفلسطينيين،الأحياء منهم والأموات والذين لا يزالون عدماً في غامض الغيب،وجدوا أنّهم لم يستطيعوا أن يفسّروا سبب حدوث خرق الأوزون الذي سيكلّف البشريّة عناء لا حدّ له.
ابتسم أقصر الموجودين في هذه القمة الكونيّة لأجل إسناد جرائم الكون إلى الفلسطينيين،كان يلبس طاقيّة سوداء جوفاء نتنة تخيم على نافوخ رأسه،وقال بفرح وارتياح يسمح لكرشه بأن يتمطّى بتهدّل:"هذه جريمة سهلة وبسيطة،لا بدّ أنّ الفلسطينيين هم من خرقوا طبقة الأوزون في لحظة تهوّر".
هلّل المجتمعون فرحاً وارتياحاً بهذا الاقتراح،وصوّتوا جميعاً على الموافقة على إسناد هذه التّهمة البيئيّة الخطيرة- إن وقعت حقيقية- للفلسطينيين المشاكسين الذين يفسدون كلّ ما تمتدّ أيديهم إليه،حتى أنّ عبثهم قد امتد إلى طبقة الأوزون المسكينة،فقاموا بثقبها.












تقاسيم البعث













تمثال

الفلسطينيّ الأوّل الذي خلقه الله في مبتدئ تاريخ البشريّة كان مثّالاً ماهراً،يصنع تماثيله على شاكلة جمال وطنه.
في يوم وليلة جاء غاصب يهودي،وسرق وطنه،وحطّم تماثيله،وطرده منها مع بنيه الكُثر الذين كانوا جميعاً مثّالين مهرة مثله.
الفلسطينيّ الأوّل الموغل في القدم جاب الدّنيا في انتظار العودة إلى وطنه،أبناؤه وبناته تفرّقوا في مشارق الأرض ومغاربها،جميعهم دأبوا على صنع تماثيل تشبه وطنهم فلسطين،ثم بعد ذلك طفقوا يبنون الأماكن كلّها على شاكلة فلسطين كي لا ينسوها أبداً،ولذلك نقلوها إلى كلّ مكان ذهبوا إليه.
بعد زمن طويل عاد الفلسطينيّ الأوّل وبنوه إلى وطنهم فلسطين بعد أن طردوا اليهودي الغاصب منه،ولكن ظلّ من عادة الفلسطينيّ أن يعمّر الأرض ويبني الأماكن والبلدان على شاكلة وطنه إلى أن يعود إليه في آخر المطاف،وبات تاريخ الفلسطينيّ يُختزل في الرّحيل والبناء والعودة إلى الوطن مهما طال التّطواف.



الرّيح والكلاب

استطاعوا أن يقتلوا عدداً عملاقاً من الفلسطينيين،مثّلوا بأجسادهم،أحرقوا جماجمهم،طحنوا عظامهم،نثروا رمادهم في مهبّ الرّيح كي يرتاحوا من ذلك الشّبح الذي اسمه عودة الشّعب الفلسطينيّ إلى وطنه.
علت أصواتهم نابحة بنشوة داعرة وهم يقولون:"نحن إسرائيل،والفلسطينيون غدوا عدماً".
سخرت الرّيح من نباحهم الأجشّ،ولملمت رماد الفلسطينيين الذي بعثرته نسائمها،وعجنته بماء الخلود،ونفخت فيه،فبُعث الفلسطينيون مرّة أخرى ينسلون من طائر فينيق لا يموت أبداً،كانوا جميعاً يحملون ابتسامة عريضة واحدة يلوّحون بها للرّيح العاتية الباعثة لهم؛لأنّها لا تصدّق نباح الكلاب مهما علا!

المنجل

هبط الفلسطينيّ على الأرض يحمل منجلاً،ولا شيء أكثر،لم يعشق منجله إلاّ الأرض التي يحصد كنوزها بشهوة وارتضاء.
جاء الغرباء ليسرقوا الأرض من المنجل المتيّم بها،فعشق الدّم يسقيه لنفسه من دماء أعناقهم التي يحصدها بكره وقرف.
وبعد أن رحل الغرباء النّاجون من سطوة منجل الفلسطينيّ،عاد المنجل من جديد يتفرّغ لعشق الأرض،ويغنّي في أيدي الزّراع العاشقين.



وحام

سرقوها،شرّدوا أهلها،أسموها إسرائيل،فحملت الأرض من فؤوس من شّقوها لآلاف السّنين ليزرعوها،توّحمتْ بهم،بملامحهم،بأصواتهم،بروائحهم،بصبرهم،بأحلامهم،وأنجبتْ فدائيين فلسطينيين بملامح أمّهم فلسطين،ومن جديد عاد اسمها فلسطين،وظلت تحبل وتتوّحم،وتلد فدائيين يهتفون باسمها السّماويّ الخالد.

القيامة

ينُفخ في الصّور نفخة ثانية،فيبُعث البشر أجمعون كرهاً وطوعاً،البشر في محشر عظيم،الجميع يحملون أعمالهم فوق أعناقهم،إلاّ الفلسطينيين فإنّهم يحملون فلسطين على رؤوسهم،يقفون بها أمام الرّب ليتشفّعوا بها لهم وللأهلين ولكلّ من ضحّى لأجلها.

بواسطة : rasl_essaher
 0  0  306