قصة قصيرة حكايا المخيم الفلسطينيّ
قصة قصيرة
حكايا المخيم الفلسطينيّ
د.سناء الشعلان/ الأردن
أديبة أردنية من أصول فلسطينية
الدّرب
كان صغيراً يجهل الدّرب والمقصد عندما شدّ والده على يده وهو يجرّه على عجل مع إخوته وما جمع من نزير أثاث بيته بعد نكبة عام 1948،وعندما سأل والده "إلى أين المسير؟" أجابه والده باقتضاب منكود:"لا نعرف إلى أين سنذهب".
الآن هو يشدّ بقبضته الكبيرة على كفي ابنيه التّوأمين،ويجرّهما على عجل وهلع هروباً من المخيّم في أعقاب الأحداث الدّامية في عام 1967،يسأله أحد ابنيه: "إلى أين سنذهب يا أبي؟!"
يلوك ابتسامة صفراء تعلّ نفسه،ويجيبه بمرار مقيم:"لا نخرج من مخيم إلاّ لنذهب إلى مخيم جديد".
تلّ الزّعتر
ما ظنّتْ أنّ الموت له هذه الأشكال المتوحّشة من الانقضاض على البشر،العصابات المهاجمة لمخيّم (تلّ الزّعتر) اجتهدتْ كي تبتكر أبشع طرق قتل الفلسطينيين دون ذنب أو جناية اقترفوها إلاّ أنّهم على أجندة تصفية جهة ما لأسباب سياسيّة بحتة.
ما عادت تبالي بصور الموت،تنتظره دون خوف،لا تخشى أولئك الوحوش رجال العصابات،لقد أبادوا أمام عينيها أقارب وجيران وأصدقاء لا تستطيع أن تحصيهم عدداً،كلّ ما تريده الآن هو أن تحصل على جرّة ماء لإنقاذ أمّها وأختيها من نزاع الموت عطشاً.
إحضار جرّة ماء ضرب من المستحيل تحت رصاص القنّاصين وتناوش بنادق رجال العصابات،آبار الماء تغصّ بدماء الشّهداء الفلسطينيين الذين صمّموا على أن يحضروا الماء لذويهم.
تراهن على حياتها بجرّة ماء،تخاطر،وتتستّر بقلبها الصّغير الحزين من عيون القنّاصين،تتعثّر بجثث الشّهداء من أهل المخيّم،وتعود تحمل جرّة الماء،على باب بيتها يقنصها قنّاص،فتُستشهد جرّة الماء،ويُراق ماؤها على الأرض السّخينة التي تبتلع الماء بظمأ وتحرّق،تسبّ القنّاص الذي صاد جرّة الماء،ولم يصدها هي،تقعد على الأرض تبكي جرّة الماء الشّهيدة،وتلملم بعض الماء في يديها قبل أن يتسرّب من بين أصابعها،ويعود إلى الأرض من جديد.
حنظلة
ورث الشّقاء عن والديه وجدوده،كما ورث عنهم الحياة في المنافي،وألف قهر نفسه حياة المخيّمات وذلّها،وظنّ أنّ الحظّ قد حالف أخاه الأكبر الذي ورث دور الأبوة عن والدهم الذي طحنه المرض والكدّ حتى شفّه ولفظه جثّة دون جسد.فاستطاع أن يبني مستودعاً صغيراً أسماه بيتاً بعيداً عن المخيّم في منطقة نائية من ضواحي المدينة التي يعيش لاجئاً فيها،فكدّس فيه أمّه وأخوته وزوجته وأم زوجته التي تعيش معهم،ثم نقل أخوته الصّغار من مدرسة المخيّم إلى مدرسة تلك المنطقة النّائية.
طلاب المدرسة ظلّوا يسخرون منه لأنّه فلسطينيّ قادم من المخيّم،لم يكونوا أفضل منه هنداماً أو لطفاً أو وسامة،بل كانوا أقلّ منه ألمحيّة وإدراكاً،لكنّهم تحالفوا عليه،وظلّوا يسخرون منه،ويعيّرونه بالمخيم وبفلسطينيّته.
خلع حذاءه،وأدار ظهره لهم،وماعاد يأبه بوجودهم،أو يردّ على سبابهم،أو يخجل من لكنته الفلسطينيّة،وكتب على سبوّرة الحائط:"حنظلة غاضب الآن".
صور
لم تحمل أمّها من المخيّم الذي يهاجمه الواغلون الخليط من الصّهاينة والعرب المتصهينين سوى دفتر الصّور الذي تعتزّ به وأطفالها الثّلاثة،وأملها في النّجاة بهم من مذبحة المخيّم،لم تكن تدري إلى أين المفرّ،ولا أيّ الدّروب عليها أن تسلك نحو المجهول لتنجو بأطفالها من مذبحة جديدة،لم تطل حيرتها،فرصاصة واحدة أردتها قتيلة،وأراحتها من أسئلة البحث والفرار والنّجاة.
لم ينجُ من مذبحة المخيّم سوى ابنتها الصّغرى ودفتر صورها الذي كانت تمارس فيه هوايتها بالاحتفاظ بصورة لكلّ فرد من أفراد أسرتها،وكأنّها تعوّذهم من الموت والشّر والاندثار إن احتفظتْ بصورهم في دفترها الذي تعرضه على كلّ من يزور بيتها،وتشرح له مطوّلاً عن صاحب كلّ صورة،وتستفيض في الحديث عن حياته وطبيعته وطباعه أرغب من يزورها في هذا الشّرح المطوّل أم لم يرغب،فحماسها لعرض مجموعة صورها يمنعها من أن تلتقط عدم رغبة الزّائر في استعراض الصّور وسماع الحديث عنها.
تاهت الابنة الصّغيرة أسبوعاً في تخوم المخيّم تبحث عن مأوىً لها،عندما تعبتْ من المشي توارت داخل حشائش نابتة على امتداد مجرى التّصريف الصّحيّ،وجلست تمزّق صور الدّفتر صورة تلو الصّورة بعد أن فني أصحابها جميعاً في مذبحة المخيّم،لم تستبقِ إلاّ صورتها الملوّثة بالدّماء،طوتها،ودسّتها في جيبها،ومن جديد عادتْ تمشي لتبحث عن مأوى أو معين قبل أن يدركها الوهن،فتعجز عن الحركة،وتموت وحدها في هذا المكان،فهي مصمّمة على أن تبقى على قيد الحياة.
دجاجة
يخشى الموت والصّدام والتّعذيب والمواجهة،لذلك لم يشارك يوماً في أيّ عمل مقاومة للعدوّ الصّهيونيّ،وظلّ يعيش كدجاجة مزرعة جبانة،ولكن ذلك لم ينجهِ من أن يعتقله الصّهاينة،وأن يلقوا به في المعتقل بين أبناء شعبه.
كان مخطّطه يقتضي أن يحافظ على عقيدته في الجبن حتى يخرج سالماً من المعتقل،ولكن ما إن تعهّده الفدائيون الفلسطينيّون الأسرى بالتّعليم والتّثقيف حتى صنعوا منه رجلاً حقيقيّاً يليق به أن يكون فلسطينيّاً.
خرج من المعتقل يبحث عن عدوّه في الدّروب،كان يشعر بأنّه الأقوى،رفع رأسه لأوّل مرّة في حياته،ولم يعد يستسيغ الإطراق في الأرض كدجاجة،بل غدا ينظر نحو السّوامق كنسر أصيل.
رَكْض
هو رجل راكض يحتضن طفلة صغيرة عمرها ثلاث سنوات،ليس عنده طاقة ليشرح لكلّ من يقابله لِمَ هو مصمّم على الرّكض نحو البعيد،يرفض أن يكلّم أيّ بشر،ويتّخذ أبعد الطّرق إن كانت نائية بعيدة عن البشر ليصل إلى مبتغاه،هو لا يعرف إلى أين يذهب،لكنّه سيظلّ يركض حتى يصل إلى مكان يُرقد لهاثه فيه،ويقنع ذراعيه بأن تفكّا حصارهما عن ابنته الصّغيرة الشّاحبة الوجه والحركات واللّفظ.
أيّام طويلة قضاها في هذا الرّكض المسعور بين جدّة فيه وهون وفق ما تحتمله نفسه التي تخور تحت أحزانه ومخاوفه وصور القتلى الفلسطينيين في مخيم (اليرموك)حيث رأى أبشع أشكال موت البشر على مهل جوعاً وعطشاً ومرضاً وحزناً وخوفاً.
لم يهرب من المخيّم جبناً منه،ولكن إشفاقاً منه على زوجته المريضة وأطفاله السّبعة الصّغار،لكنّه لم يستطع أن يعصمهم من مخانق التّيه والهرب والتّشرد والجوع والعطش والبرد؛جميعهم هلكوا منه في درب الهروب وهم مدفعون عن الأبواب،ملاحقون بذنب فلسطينيّتهم.
وصل أخيراً إلى هذا النّهير الصّغير في الغابة الأوروبيّة،هي آخر ما عليه أن يقطع ليحطّ الرّحال لاجئاً في هذا البلد.
الجوّ صقيع،ولا وقت أمامه يضيّعه في هذه الغابة،وابنته الصّغيرة تكاد تنطفئ جذوة حياتها مرضاً وجوعاً وبرداً،قرّر أن يقطع النّهير وهو يحملها إلى حيث يأمل أن يجد فرصة للحياة لها،ماء النّهير أبرد ممّا تعني البرودة في قاموسه،لا يبالي بهذا البرد،يرفع طفلته فوق كتفيه،و يغوص في الماء إلى ترقوته التي ترتجف تجمّداً.
أخيراً يصل إلى الضّفة الأخرى،يضع طفلته على الأرض،يتفقّد أنفاسها التي تبشّره بأنّها على قيد الحياة،ويهجع أرضاً إلى جانبها دون حياة.
الحلوة
قابلها في مخيّم (عين الحلوة) في لبنان،وقع في عشقها منذ أوّل مشاجرة وقعت بينهما عندما غازلها بكلماته اللّبنانيّة الرّقيقة،فرّدتْ عليه بأسوأ ردّ بصلف فلسطينيّ لا يحتمل خدش كبريائه،كالتْ له السّباب والشّتائم،ولكنّه وقع في عشقها؛فقد أعجبته روحها المهر،وجمالها المتواري قصداً خلف السّلاح في سبيل قضيّة تؤمن بها.
خلف لباسها العسكريّ الذي يلبسه أشبال الفدائيين الفلسطينيين تُخفي رقّة ذائبة تقطر أنوثة وحناناً،لو لم تكن تحمل السّلاح لكانت تحمل سلّة زهور،وتمرح بها في سهوب الأرز،ولذلك قد أسماها(الحلوة)
قرّر أن يتزوّجها،ووافقتْ على الزّواج به دون ترّدد،كانت تسخر من لجهته النّاعمة الرّقيقة،لكنّها كانتْ ترى صلابة الرّجال الأقوياء خلف هذه الرّقة الظّاهريّة المراوغة،كانتْ تسخر علناً من عشقه لها،ولكنّها تختال في نفسها بهذا الوسيم الأشقر المتيّم بها.لقد كان مصمّماً على أن ينجب منها طفلاً على شاكلة سمرتها وعنادها وجرأة روحها.
لكنّها غدرتْ به،وتركته لتلحق صوت الواجب،لقد انتقلتْ للنّضال المسلّح في فلسطين.لم يتألّم من ابتعادها عنه،فهو يعلم أنّها أسيرة عشق أكبر،حمل سلاحه،وقرّر أن يلحق بها،فهو مصمّم على أن ينجب منها طفلاً شجاعاً وعنيداً.
عائشة ألوان
هم يثقون فيها لأنّها هي معلّمتهم الجميلة التي علّمتهم الرّسم،كانت تشتري الألوان والأوراق لمعظم الأطفال في مخيّم (اليرموك)،إذ إنّهم لا يستطيعون أن يدفعوا أثمان شرائها بسبب عوزهم،هي من علّمتهم أن يرسموا الحياة جميلة متّسعة فرحة على عكس الحياة التي يعيشونها في هذا المخيّم.
هم يصدّقونها،ويثقون بوعدها لهم بالرّجوع إليهم فور إحضار بعض الطّعام والمساعدات الطّبيّة للمخيّم،وهم الآن في انتظار عودتها،لكنّها لم تعد بعد.
سمعوا أنّ الجيش المتناحر على أبواب المخيّم قد قبض عليها بجرم تهريب الطّعام والأدوية إلى مخيّم (اليرموك) المحاصر منذ دهر،لقد عذّبوها هناك حتى ماتت عشرّات المرّات قبل أن تموت ميتتها الأخيرة.
هي لم تعد إلى المخيّم،ولم تفِ بوعدها لتلاميذها الذين يحبّونها،ويسمونها آنسة (عائشة ألوان)، لكنّهم يرفضون أن يستسلموا لفكرة موتها،ويشرعون يرسمونها على جدار المدرسة باسمة نضرة عائدة إليهم محمّلة بالمؤن والدّواء،ويلبثون ينتظرونها، فهي لا تخلف ميعادها معهم أبداً.
فلسطينيّ
لا يعرف تسويغاً لعذابه إلاّ أنّه فلسطينيّ،وهو صغير قالوا له إنّ وطنه قد سُرق لأنّه فلسطينيّ،عندما كبر قصف الشّقاء زهرة شباب والده وهو يرزح تحت نير عذاباته ومطاردته للقمة عيشه وعيش أسرته لأنّه فلسطيني،أخته الكبرى أكل الشّلل قدمها اليمنى،ولم تجد أسرته المال لعلاجها لأنّه فلسطينيّ،عاش طوال عمره في مكعب حقير من الصّفيح مصلوباً على قارعة الانتظار في جغرافية موحلة منتنة خلف حدود الوطن لأنّه فلسطينيّ.
عندما كبر تعلّم أن يحزن،وأن يجوع،وأن يعرى،وأن يرى تقتيل شعبه بأمّ عينيه لأنّه فلسطينيّ! تعوّد أن تزدحم ذاكرته بالشّهداء والرّاحلين والمختفين والمبعدين والمعتقلين والغائبين مؤجلي العودة لأنّه فلسطينيّ.
عندما غادره الحلم لم يأبه لرحيله لأنّه فلسطينيّ،وعندما أراد أن يبكي على استحياء لأنّ إدارة المخيم صادرت(البسطة) الصّغيرة التي يملكها بحجّة أنّها تشوّه الوجه الحضاري للمخيم غالب دموعه وزجرها خجلاً من البكاء الذي لا يليق به لأنّه فلسطينيّ!
فَخَار
وظيفته الأساسيّة في الأسرة تنحصر في أن يحمل حذاء أخيه الأسود الملمّع الذي تشاركت الأسرة كلّها لأجل شرائه ليبدو ابنها البكر الموظّف في حكومة هذه الدّولة في خير صورة تشرّفه،ولا تحرجه بحذاء مغموس بوحل المخيّم الذي يغمرهم بطوفانه المقيم في الفصول جميعها.
هذا الابن البكر هو طوق النّجاة للأسرة كلّها،نقوده القليلة هي من تطعمهم أجمعين،وتعفي والده العجوز من أن يعمل في أعمال العتل في سوق القمح في أطراف المخيّم لينقسم ظهره مرّة أخرى.
يلبس الأخ البكر بذلته السّوداء الوحيدة التي يملكها،وينتعل حذاءً بنّي اللّون قديم،ويسير بخطى واسعة سريعة مختالاً كطاووس،وخلفه يسير الأخ الأصغر يحمل حذاءه بإجلال وفخار.
عندما يصلان إلى الحافلة في موقف النّقل في قلب المخيّم،يجلس أخوه الأكبر في مقعد من مقاعده،ويخلع حذاءه الموحل القديم،ويناوله لأخيه الصّغير من نافذة الحافلة،وينتش منه الحذاء الأسود النّظيف،وينتعله كي يذهب به إلى عمله دون أن يلطّخ الأماكن التي يسير بها بوحل المخيّم.
يعود الأخ الصّغير فرحاً إلى بيته لأنّه قام بمهمته اليوميّة الأساسيّة في تحديد مصير الأسرة أكانت ستجد ما تأكله إن بقي ابنها البكر على رأسه عمله،أم أنّها ستتضوّر جوعاً إن طردوه من عمله بسبب حذائه الملطّخ بطين المخيّم.
المخيّم
لن ترحل هذه المرّة عن هذا المخيّم ولو اضطرّت إلى أن تُقاتل الدّنيا كلّها،لم تعد تُطيق أن تهجّر من مخيّم لتلجأ إلى آخر،حياتها سلسلة من المخيّمات والتّهجير والعذاب والمعاناة والقهر،في كلّ مخيّم خسرت جزءاً من ذاتها وبعضاً من أفراد أسرتها حتى لجأت إلى هذا المخيّم ليس معها إلاّ طفلاها وبذلة زوجها الفدائيّ وبندقيته وأثاث يضيع في بيتها الغرفة لقلّته على الرّغم من ضيقها.
رضيتْ بكلّ حرمان واضطهاد كي تحافظ على حياة طفليها،والآن هناك من يهاجمون المخيّم كي يحتفلوا بإراقة الدّم الفلسطينيّ في نزهة قتل وتشريد واغتصاب يحلو لهم أن يقوموا بها في أرجائه كيفما اتّفق،لا تريد أن تعرف من المهاجم هذه المرّة،لا يعنيها اسمه أو دينه أو جنسيته أو لغته أو هدفه أو فكره؛فجميعهم سواء عندما يقتلون الفلسطينيّ،الموت ذاته يتحالفون معه،وهي ستقتل من يهاجم المخيّم أيّاً كان،لن تكون أمّاً فلسطينيّة تذود عن أطفالها وحسب،بل ستلبس بذلة زوجها،وتحمل سلاحه لتدافع عن المخيّم ضد المهاجمين أيّاً كانوا،فهي لن تسمح بأن يموت طفلاها في هذه اللّعبة الجهنمّيّة.
تغلق باب بيتها الغرفة على طفليها،وتخرج مع الخارجين المدافعين عن المخيّم،تُقاتل على تخومه بشراسة،تصطاد الرّؤوس الشّريرة بغريزة الأم المدافعة عن أطفالها وعن أطفالها الأمّهات القابعات في بيوتهنّ،وفي المساء تعود إلى بيتها الغرفة مضرّجة بدم مَنْ قتلت،وبدم جروح أصابتها من شظايا انفجار،تجد طفليها في انتظارها،تتكوّم أرضاً خلف الباب،تأخذهما إلى صدرها،وتنخرط وإيّاهم في بكاء مخنوق.
(كرت)المؤن
يصمّم الصّبي الصّغير على أن يعمل في العطلة الصّيفيّة لعلّه يجني بعض المال ليشتري بنطالاً وقميصاً وحقيبة جلديّة بدل حقيبة القماش التي خاطتها أمّه له من ثوب قديم لها قد بلي بعد أن أنهكته لبساً وغسلاً ونشراً وطيّاً.حاول أن يجد عملاً في المخيّم فلم ينجح في ذلك؛فلا أحد يرغب في توظيف طفل صغير بجسد هزيل وقامة قصيرة،لذلك قرّر أن يجد عملاً ما خارج المخيّم يتناسب مع جسده الصّغير العاجز عن العتل والصّراع والجري والتّدافع.
عرض حاجته على بعض أصحاب المتاجر،لكنّهم زهدوا به إلى أن صادف اهتماماً من تاجر عجوز أزرق البدن والابتسامة،رجاه أن يجد له وظيفة عنده،أخبره بأنّه فلسطينيّ من المخيّم لعلّه يحظى بالوظيفة إن استدرّ عطفه،وشرح له مدى حاجته لهذا العمل،أنكر التّاجرعليه أن يكون فلسطينيّاً،وبعد جدال طويل قرّر الصّبي أن يثبت له أنّه فلسطينيّ لعلّه يحظى بوظيفة ما عنده طالما أنّه مهتم لسبب يجهله بالتّحقّق من فلسطينيّته.
صفّق الصّبي بجوارحه وحماسه ليحضر (كرت المؤن) من بيته في أسرع وقت ممكن كي يثبت للتّاجر أنّه فلسطينيّ،إذ لا يملك وثيقة غيره تثبت حقيقة أصله،قدّم (الكرت)للتّاجر وهو يلهث،ولا يقوى على التقاط أنفاسه تعباً وحماساً وتوتّراً وطمعاً في الحصول على عمل،ألقى التّاجر نظرة ازدراء على (كرت المؤن)،ودفعه أرضاً بضربة من رأس إبهامه،وقال له باحتقار:"هذا يثبت أنّك فلسطينيّ متسوّل،هيّا اغربْ عن وجهي،لا عمل لكَ عندي".
تناول الصّبي (الكرت)عن الأرض جريح الرّوح،وشدّ قبضة يمينه عليه كي لا يضيّعه،فتفقد أسرته مخصّاصتها الشّهريّة من المؤن،وأطلق ساقيه للرّيح عائداً إلى بيته كي لا يرى التّاجر دموعه،فيشمتْ به.
عقوبة
كانت تتوقّع أن تحصل على تكريم خاصّ من مديرة المدرسة التي تدرس فيها بعد أن حصلتْ على المرتبة الثّانية في مسابقة الشّعر على مستوى الدّولة التي تعيشه فيها لاجئة بعد طردها وعائلتها من مدينتهم الفلسطينيّة السّاحليّة.
إلاّ أنّ المديرة بدت كثعلبٍ أحمق أحرقت النّار ذنبه،اقتربت منها،وسألتها بتقزز: "أحقّاً أنتِ فلسطينيّة يا بنت؟"
شعرت الطّفلة الصّغيرة بتهمة ما تحاصرها على جريمة لم تقترفها،هداها فكرها المتلعثم إلى أن تدافع عن نفسها بردّ التّهمة الموّجه إليها على حين غرّة:"ولكنّني أحمل الجنسيّة...!"
مطّت المديرة صدرها بفخرٍ رعوي جاف،فبرز ثديّاها ضخمين متهدلين كقربة ماء جرباء،وقالتْ لها:"يا وقحة،غادري هذه المدرسة،ولا تعودي إليها إلاّ مع وليّ أمركِ".
طارت الطّفلة خارج غرفة المديرة،وهي لا تصدّق أنّها لا تزال على قيد الحياة بعد أن ثبّتتْ عليها بالدّليل والبرهان والاعتراف الصّريح جريمة أصلها الفلسطينيّ.
وظلّتْ طوال طريق العودة إلى البيت تشكر الله على أنّ مديرتها لم تكتشف أنّها تعيش في المخيّم،إذن لصلبتها على باب المدرسة تنكيلاً بها على هذه الجريمة النّكراء.
كماليّات
مندوب من منظّمة (الأونروا) يقدّم محاضرة لطلبة المدرسة الابتدائيّة في المخيّم حول التّخلّي عن الكماليّات من أجل الانتصار على الجّوع،يعرض صوراً إلكترونيّة عبر نظام العرض الإلكترونيّ الحاسوبيّ الذي أحضره معه حول الكماليّات في الطّعام،إنّه يضع في قائمة الكماليّات كلّ ما لذّ وطاب من طعام وسكاكر ولحوم وأطايب أخرى لا يعرفون لها اسماً،ولم يرونها في تاريخ مخيّمهم الصّدئ.
يتابعون صور هذه الأطايب بحسرة وتشهٍ،وهي تعرض أمام جوعهم كرقصّة ذبيح على بلاط معبد،ثم يضربون عنها بأمر من المندوب السّمين ومعلّماتهم المعسكرات في باحة المحاضرة ضبطاً لجوعهم،بحجّة أنّها كماليّات،وينسرحون يسمعونه يحدّثهم عن تحضير أطباق غذائيّة من زيت الصّويا حيث يقدّم لهم الكثير من العناصر الغذائيّة الأساسيّة التي هم في حاجة لها لنموهم.
يظلّون يسترقون النّظرات العاجزة على صور الكماليّات المعروضة أمامهم على جدار العرض الأبيض،ويتمنّون بصمت مُتواطئ عليه لو أنّهم يظفرون بهذه الكماليّات.
كمان
الموت وحده هو من ينتظره في هذه اللّحظات في مخيّم (اليرموك) الذي يسكنه،لا طعام أو شراب أو أمن أو منقذ أو دفء أو دواء أو درب مهرب،ليس هناك إلاّ حطام يتناثر البشر في أجمته،وقصف معتوه يحاصرهم من كلّ مكان،وجنود موت يتربّصون بهم عند أبواب المخيمّ،وأيادٍ سوداء تتخطّف من تريد منهم بسهولة،وتدفنه في عذاب معتقلات المتناحرين على السّلطة في سوريا حتى الموت.
لا يعرف لِمَ مخيّمه لقمة في أفواه المتناحرين والمتخاصمين،لكنّه يعلم أنّ تلك الوجوه الفلسطينيّة التي يحبّها في هذا المخيّم قد طاردها الموت حتى أتلف حياتها،وأهدر آمالها.
أمّه ماتت في هذا الحصار بسبب نقص الدّواء،وطفلا أخته التي تعيش معهم منذ موت زوجها قد ماتا بسبب سوء التّغذية،وحبيبته (زينب) أخذها جنود التّناحر ليلاً،وألقوا بها فجراً أمام المخيّم جثّة عارية من ملابسها ومن أنفاس الحياة.
الجميع الآن يعانون من العطش الشّديد،إذ لا ماء في المخيّم منذ أيّام عدّة،ولا مطر في الصّيف ينجدهم ممّا هم فيه من ظمأ.
يقرّر أن يموت بالطّريقة التي يختارها هو،لا بالطّريقة التي يختارها له الوحوش الذين يحاصرون المخيّم،يخرج إلى ذلك الدّمار الذي يحيط به،ويأخذ كمانه الحبيب الذي اشتراه بحملة أسريّة كاملة من التّبرّعات كي يحصل عليه،هو يجيد العزف عليه بالتّعلّم الذّاتي وببعض الحصص التي علّمها له الموسيقي الفلسطينيّ الذي يحمل الجنسيّة الدّنماركيّة حين جاء في زيارة للمخيّم قبل أعوام انصرمت.
يبدأ يعزف على كمانه الحزين أحزان العطش،يقرّر أن يظلّ يعزف حتى يقضي العطش عليه،فهذا الموت الذي يختاره،ويقبل به،وهو أن يموت وهو يعزف، ،يتجمّع حوله كلّ من يسمعه من سكّان المخيّم،يعزف لثلاث ساعات كاملة دون توقّف،يحلّق بموسيقاه في سماء الارتواء،ويحلّق أهل المخيّم معه في سمائه،وفجأة في أشدّ ساعات النّهار حرارة ينزل المطر!
نهر البارد
أحلامه وعمره وسنوات عذابه وأعوام غربته تنهار كلّها أمام عينيه مع تفجير بيته أمام عينيه في مخيّم (نهر البارد) في لبنان إثر صراعات داخليّة وخارجيّة دامية،يلخّص كلّ ما يجري في كلمتي مؤامرة وخيانة.
كلّ ما أنجزه في حياته يتلخّص في بناء منزل من الطّوب الأحمر من أربعة طوابق ليأوي فيه أسرته وأسرتي أخويه وأمّه وأخته العانس المريضة.
هاهو عالمه وسعيه وسنين طويلة من عمره ينهار أمام عينيه مع انهيار منزله.يجلس على كرسي خيزران أعرج القدم ملوّح اللّون من شمس طرقته لسنين،يشرع يدخّن سجائره،لا يأبه بأحلام أو ندم أو حزن،ويشرع يفكّر في خطّة محتملة لبناء بيت جديد في زمن قادم،فهو لا يقبل بالخسائر أبداً.