• !
×

rasl_essaher

قصة قصيرة خراريف فلسطينية

قصة قصيرة



خراريف فلسطينية



د.سناء الشعلان/ الأردن
أديبة أردنية من أصول فلسطينية



جبال

الجبال الجرداء البعيدة ترى المستدمرين الصّهاينة يسعون نحوها،هم يريدون في غفلة من أهلها الذين يسكنون السّفوح والمدن والقرى والسّواحل أن يضعوا أيديهم عليها،وأن يبنوا عليها مستدمرات جديدة،الجبال وحدها من تراهم يعدون باتّجاهها في جنح اللّيل،تقرّر أن لا تحمل على قممها سوى أهلها الفلسطينيين،ترتجّ الجبال،فتزلّ عنها أقدام الصّهاينة وآليّاتهم،وتزعق زعقة تزلزل السّموات والأرضين قائلة:"يا سامعين الصّوت!"
فيسمع الفلسطينيون استغاثة جبالهم،يلبّونها سريعاً،يحملون بعض الأهل والوِلد وقليل المتاع،ويهرعون يسكنون أعالي الجبال قبل أن يستولي المستدمرون الصّهاينة عليها،ويخلّفون الباقين من أهليهم في بيوتهم الأصليّة.
تتحصّن أعالي الجبال بأبنائها الملبّين لاستغاثتها،وتعود إلى وقارها وهدوئها اطمئناناً بوجودهم معها.

خيانة

لأوّل مرّة يقبض ثمن خيانته،ويدسّ المال في جيبه،ولا يفرّح نفسه بعدّ النّقود،والتّلذّذ بمداعبتها،وشمّ رائحة صنانها الذي يهيّج نهمه للمال،ويخدّر ضميره،وينسيه لقب (الغضيب) الذي تنعته أمّه به بسبب خيانته لوطنه،وتحالفه مع أعدائها.
سيان عنده إن نقص ثمن خيانته أم زاد في هذه المرّة؛فهو سوف يصليه النّار بعد ساعات قليلة،لا يمدّ يده لتتحسّس المال في جيبه كما هي عادته،ولا يخشى أن ينكشف أمره،فيسارع الفدائيون الفلسطينيون لذبحه مثل مَنْ ذبحوا قبله من خونة شعبهم.
لا يريد أن يموت تحت أقدام الفلسطينيين،ولا يريد أن يُشنق على زيتونة لتنهشه الطّيور،ولا يريد أن يتعفّن في ساحات الحي بعد حزّ رقبته دون باكٍ له أو راثٍ.
لقد قرّر أن يموت كما يريد،الآن يريد أن يغيّر أقداره رغم أنوف العالمين أجمعين،أمّه ماتت قبل أيّام،وهي غاضبة عليه،رافضة أن تراه؛لأنّه خائن.لم يجرؤ على أن يحضر عزاءها،أو أن يحمل في نعشها،أو أن يرافقها إلى قبرها كأيّ ابن بارٍ؛فهو الخائن الممجوج الذي تتصيده عيون الفدائيين الفلسطينيين لتصيد رأسه الرّخيص بطلقة واحدة لا غير.
سيدخل المعسكر الصّهيونيّ كعادته،سيقابل الضّباط الصّهيونيّ بحضور عدد من الجنود وفق المخطّط لينقل لهم معلومات جديدة مفترضة عن تحرّكات بعض الفدائيين الفلسطينيين،وفي اللّحظة المناسبة سوف يفجّر الحزام النّاسف الذي يدّخره ليتطّهر به من آثامه جميعها.
سوف يموت ويموتون جميعاً،لن يعرف أحد أنّه مات فدائيّاً لا خائناً،لكن أمّه في السّماء ستفخر به،وستعرف أنّ ابنها الشّقي قد أدرك المغفرة في اللّحظة الأخيرة.
اقترب الوقت المحدّد للقاء،استعدّ للتّنفيذ،دخل المعسكر،وتشهّد عشرات المرّات،وفي اللّحظة المناسبة برقتْ ابتسامة أمّه في أعماقه،فسحب فتيل الحزام،وحلّ الموت على الجميع.



خُطبة

كلّ عريس يتقدّم لها تعيبه بعيب ما،ثم ترفضه،وتغلق باب غرفتها عليها باكية لأيام طويلة،ثم تخرج بعد ذلك،وتعلن لهم أنّها لا تريد الزّواج بعد استشهاد خطيبها (حسّان)،ثم تلين من جديد تحت ضغط أسرتها،وترى العريس الجديد الذي تقدّم لها،ومن جديد تعيبه،ثم ترفضه،ثم تهرع إلى غرفتها تبكي لأيام موصولة.
تريد العريس بطول (حسّان)وصوته ورائحته وقسماته ومشيته وطباعه وشجاعته وابتسامته وحبّه لفلسطين وعشقه لعينيها النّاعستين.
لا رجل يمكن أن يحمل صفات (حسّان)،سنين مضت على بحثها عنه في وجوه الرّجال دون أن تعثر عليه،وبدأت تلقّب بالعانس النّكدة لطول حزنها عليه.
عريس جديد ينتظرونه في بيتهم هذا المساء كي تتعرّف عليه،تنظر في وجه والديها اللذين كدّهما التّعب والشّقاء والخوف على مصيرها بعد موتهما،ويصبوان لأن ترضى بعريس ما تتّخذه زوجاً لها،وتقول وهي تتكوّم أرضاً أمام صورة (حسّان) المعلّقة في صدر البيت:" أبي أنا لن أتزوج غير (حسّان)،وهو لن يعود لأتزوجه".


زَرْع

جرّفوا أرضها بعد حرق محصولها لهذا العام،وأطلقوا الخنازير البريّة على مزارع العنب،وفي آخر المطاف جفّفوا بئر المياه التي تسقي زرعها منها.لقد استغلّوا أنّها فلسطينيّة وحيدة بينهم،وهم من يسيطرون على المزارع المحيطة بمزرعتها بعد أن صادروها من أهلها الفلسطينيين.هي وحدها بين أولئك الوحوش،قتلوا أبناءها تباعاً على تراب هذه المزارع وهم يزرعونها.
الآن غدت وحيدة تماماً،ولكنّها ظلّت قويّة،زرعتْ من جديد السّنابل التي خلعوها من أرضها،ونفخت فيها،فتفتّقت جميعها عن فلسطينيين زرّاع هبّوا جميعهم لنجدتها وعونها وزراعة أرضها من جديد.


زهايمر

ستون سنة من النّضال المستمرّ لم تستطع أن تزحزحه قيد أنملة عن إيمانه العميق بحقّه،لم تمض ليلة لم يناضل فيها متمسّكاً بأرضه،لم يفتّ في عضد عزيمته تآمر العالم كلّه مع عدوّه الصّهيونيّ،أمّا هذا المرض اللّعين الذي اسمه(زهايمر) فهو ما يخشى أن يأكل ذاكرته،فلا يتذكّر حدود أرضه ومساحتها،ولا يعرف عدد الأشجار المزروعة فيها ونوعها،فلا يستطيع أن يستمرّ في متابعة القضايا التي رفعها ضد المستوطنين الصّهاينة الذين وضعوا أيديهم بقوة الظلّم والاستبداد على الأجزاء الشّماليّة من أرضه.هل (زهايمر) هو مرض صهيونيّ؟ سوف يأكل ذاكرته كما أكل من قبل ذاكرة الكثير من البشر؟!
يقرّر أنّ خير طريقة للهجوم هي الدّفاع،يشرع يسجّل في سجل كبير كلّ صغيرة وكبيرة يعنيه تذكّرها عن أرضه ووطنه ونضاله وعدوّه،ويتربّص بمرضه اللّعين وقد أعدّ له عدّة الانتصار عليه.


بنطال العيد

بقرار طفوليّ قطعيّ لا يقبل الطّعن أو الرّد أو الاستئناف قرّر أنّه يريد بنطالاً كتّانيّاً أسود جديداً يلبسه في العيد المتربّص خلف الأبواب.
لم يجد الأب محيصاً من أن يستسلم لهذا القرار ما دام ابنه الوحيد المشتهى الذي جاءه بعد طول انتظار قد قضى به بحزم وإصرار لاسيما بعد أن قالتْ ّزوجته له بنبرة متوسّلة ذليلة:"اجبرْ بخاطر هذا الصّغير.ملابس العيد ليست إلاّ للأطفال الصّغار أمثاله".
صمّم الابن المدلّل على أن يرافق أباه إلى العمل كي يضمن أن يشتري له البنطال الحلم بعد أن ينتهي من عمله المضني في قطف جنى المحاصيل من الحقول التي اغتصبها المحتلّون الصّهاينة من أهل قريته.
لأوّل مرّة يرى الابن أباه الأبي يتكوّم بذلٍ وعجزٍ على حواجز التّفتيش والانتظار كي يدخل المناطق المستدمرة في وطنه كي يعمل ذليلاً في أرضه ليعود إلى بيته وزوجته وأطفاله حاملاً لهم قوت يومهم.
طوال اليوم عمل الأب بذلٍ منكود موصول لا يعرف راحة؛فلا يُسمح له بأن يستريح.راقبه الابن بانكسار وشعور دفين بالذّنب ينهش قلبه،ويعضّ روحه الصّغيرة.
في المساء في درب العودة إلى السّوق استوقف والده الذي ينام كفّه الصّغير النّاعم في كفّه الكبير الخشن الدّامي،وقال له:"أبي،أرجوك لا تعد للعمل في تلك المزرعة،أنا لا أريد بنطالاً جديداً للعيد،لقد كبرتُ،والكبار لا يريدون ملابس جديدة للعيد".

حَجَر

ينادي والده باسم (ديبو حبيبي)؛فهو مثل غيره من النّاس يرى والده(ذياب) صغيراً في سنينه السّبع عشرة على أن يكون زوجاً وأباً وراعياً لأمّه الأرملة.يتمتّع عندما يحمله والده على كتفيه،ويهزّه كأمير يمتطي ظهر تنين سحريّ.
يحرمه والده من حمله فوق كتفيه عندما يخرج ليرجم بحجارته الجنود الصّهاينة في مناوشات لا تنتهي معهم ليمنعهم من دخول الحارات القديمة أو لتأخير وصولهم إلى مكان وجود فدائيين حتى يتيح الفرصة لهم للهرب من وجه أعدائهم دون أن يُقبض عليهم.
ينتظر حتى يكبر حتى يستطيع أن يرافق (ديبو حبيبي) في واجب رجم الصّهاينة بالحجارة والموت.لكن (ديبو حبيبي)لم ينتظره حتى يكبر؛فقد عاد محمولاً على الأكتاف بعد أن قنصه صهيونيّ محتلّ وهو يرجم الجنود الصّهاينة بالحجارة.كانت هناك ابتسامة كبيرة على وجهه وهو يغلق يده على الحجر الأخير الذي لم تمهله الطّلقات حتى يرجم به من سرق أرضه.
أسرع إلى كف يمين والده،وفتحه على عجل،وأنتزع الحجر منه،وخبّأه في جيبه،وهمس في أذن والده :" (ديبو حبيبي) لقد كبرتُ،غداً سأخرج لرجم هذا الحجر في وجه الجنود الصّهاينة".

زيتون

الأخ الأكبر قال لأخيه الصّغير وهو يشرح له باهتمام مغزى أهمية الدّفاع عن بستان الزّيتون الذي يملكون في أعالي جبال جرزيم الفلسطينيّة: "هذه الأشجار ليست أشجاراً كما تبدو،كلّ شجرة تنمو على قبر فدائيّ،فكلّ فدائيّ عندما يموت يصبح شجرة زيتون".
أجال الأخ الصّغير نظرة عجلى في المكان،فأدرك أنّ بستانه هو جبّانة عملاقة للفدائيّين،شعر بفخر لأنّه الموكل برعاية هذه القبور الأشجار،وقال بنبرة وقورة موغلة في الإدراك: "ولذلك شجر الزّيتون هو شجر مقدّس؛فهو شجر الفدائيين الفلسطينيين".


شجرة

الجرّافات المدرّعة الصّهيونيّة هاجمت على حين غرّة أشجار الزّيتون في حقل الحاجّة (فريزة)،خلعت الكثير منها بعد عناء،الشّجرة الكبيرة العملاقة استنجدتْ بأثيرتها الحاجّة (فريزة) التي هرولت إليها على الرّغم من كبر سنّها،وغطّتها بملاءة رأسها،وأخذتها إلى حضنها،وشدّتها إلى عظامها حتى كادت تنغرز فيها.
لقد كانت مذبحة للأشجار الشّهيدة التي تهوي أرضاً تسحلها متاريس الجرّافات وجنازيرها،إلاّ إنّ هذه الشّجرة قد رفضت أن تُغتال،انبلج ساقها عن مرقد في داخلها،ابتلعتْ الحاجّة(فريزة)،وعصبتْ أعالي أغصانها بطرحتها البيضاء،وانبرتْ تدوس الجرّافات بجذورها العملاقة التي شلعتها من أعماق تراب الأرض،فعلقتْ بها صخور وكتل ترابيّة وحجارة.
هرب النّاجون القليلون من الصّهاينة من وجه هذه الشّجرة الفدائيّة،ورفضوا أن يعودوا من جديد إلى حيث تنتصب الشّجرة الفلسطينيّة المقاتلة،وأسموها على حذر وكره وتوجّس (الشّجرة الملعونة).


الوليد

هذا الوليد جاء في يوم رحيل والده عن الحياة،وُلد على المعبر الذي يفصلهم عن أقرب مشفى،نزل من بطن أمّه على إسفلت الشّارع العموميّ بعد أن جرّه الطّلق خارج رحمها على كره منها،وهي تنتظر أن يُسمح لها بأن تصل إلى المشفى.
الجنود الصّهاينة أخرجوها وزوجها من السّيارة الأجرة التي يستقلانها للوصول إلى المستشفى،وأجبروهما على أن يركعا أرضاً لإذلالهما،هي تكوّمت بعجز على الأرض تكابد صعقات طلق تمزّق لحمها،وزوجها رفض أن يركع أمامهم بذل،فأردوه قتيلاً بطلقات ناريّة خطفتْ شعلة الحياة من صدره.
عاد الأب والابن الوليد إلى بيت الأم الجدّة محمولين على الأكتاف؛الأم الجدّة غسّلت ابنها،وحمّلته في نعشه ليُصار به إلى قبره الجنّة،لم تحزن عليه،ولم توّدعه بدمعة،بل ودّعته بابتسامة تليق بأمّ شهيد،وانكفأت تحمّم حفيدها الوليد وتطعمه،وتصلح شأنه،وتنتظره ليكبر كي يأخذ بثأر ابيه الشّهيد الذي قتله الصّهاينة في يوم مولده.

صَمَمْ

أصابه الصّمم مذ كان صغيراً بضربة شمس،أعيا الأطبّاء علاجاً وتكهّناً بعلاج صممه،ولكنّه ظلّ أصم.لم يحلم بأن يستردّ سمعه،وفضّل الهدوء المطلق على صوت جعجعة الغرباء ونعيقهم في وطنه فلسطين،لكنّه كان يتمنّى لو يستطيع أن يسمع صوت طفله الصّغير الذي تميّز بجميل ترتيله للقرآن الكريم،أراد برغبة متفجّرة أن يسمعه يرتّل القرآن ولو لمرّة واحدة في حياته،لكن الصّمم حال دون تحقيق رغبته.
تفجير كبير في باحة الحيّ هزّ أركان البيوت،فاخترق أذنه ليسمعه،التّفجير نفذ من أذنيه،وعبث بضلوع صدره،وشلع قلبه،الآن عاد يسمع من جديد،لقد سمع صوت الانفجار الذي اغتال ابنه الوحيد ذا الصّوت الملائكي في زاوية حفظ القرآن الكريم.

صيد

البحر اعتاد على كلامهم وترانيمهم وأحلامهم وطقوسهم في الصّيد والأكل والبيع والشّراء،حتى دعاؤهم في لحظات هيجانه يطربه،ويجعله يضحك كثيراً من كلماتهم المستدرّة لستره ورحمته وعطاياه.هو يعشقهم،من الآلاف السّنين يعشق أهل السّاحل الفلسطينيّ الذي عقد معهم حلف محبّة منذ الأزل.
البحر يحفظ تفاصيل معاناتهم،ويحرّك بحزن وأسىً لبّاد شعره المائيّ المخضوضر بزبد زلق كلّما منع الصّهاينة الصّيادين من الوصول له.
هو يدّخر لأصدقائه الصّيادين الفلسطينيين قصصه ودرره وحنانه والكثير من السّمك،ويترنّم طويلاً على صوت غنائهم الذي يدغدغ حبوره المتّسع.
الآن هو يعيش وحدة مؤلمة وهو يرى الصّيادين الفلسطينيين لا يستطيعون أن يقتربوا منه بحرمان من الصّهاينة،يحتضن سفنهم المهجورة،ويضمّها بلجّة عملاقة إلى صدره،ويغور في أعماق مائه.
هذا الصّباح رأى الصّهاينة يُغيرون على لججه،ويحاولون أن يسرقوا سفن الصّيادين الفلسطينيين،يغضب انتصاراً لأولئك الصّيادين المسالمين،يرفع سفنهم إلى أعلى هضاب لججه،ويخسف البحر بالصّهاينة،فيردّهم من جديد قردة وخنازير بحريّة،ويرسلهم يسعون في البحر طعاماً لوحوشه وأسماكه.
يضحك البحر كثيراً إذ يُرسي سفن الصّيادين في خليج صغير في السّاحل في انتظار أصدقائه الصّيادين أصحاب أغاني الصّيد وترانيم السّمك.


القائد

هو قائده الأعلى في البيت والشّارع وزقاق المخيّم،يقلّده كيفما اتّفق،ويفرح إن رأى في عينيه نظرة رضا عنه،هو أخوه الأكبر،يكبره بعامين فقط،وبذا يكون عمره سبعة أعوام،ولكّنه يتّخذه معلّمه وعرّابه وقائده.
أمره بأن يرجم الجنود الصّهاينة بالحجارة لأنّهم أشرار،فما تأخّر لحظة عن إطاعة أوامره،فكلّما رجم صهيونيّاً بحجر برقت عيناه بالفخر؛لأنّه يطيع أخاه(عبد الله) قائده الأعلى في الحياة.
كاد يظفر بغنيمة رجم الصّهاينة،ويفرّ هارباً كعادته،ولكن يداً عملاقة مشعوعرة هدمت كتفه عندما أمسكت به،وفي طرفة عين كبّلته أيدي الجنود،وأمرته بأن يعترف باسم من حرّضه على رجمهم،لم يراوغ في الإجابة،وقال بفخر طفوليّ عريض متحمّس:"إنّه أخي (عبد الله) من أمرني بذلك".
تحرّكت جنود حانقة وآليات مصفّحة كي تنشب أظفارها في عنق(عبد الله ) المخرّب كما نعتوه.حاصروا بيته،وأمروا (عبد الله) عبر الأبواق بأن يخرج لهم مستسلماً رافعاً يديه حفاظاً على حياة أخيه الأصغر المنشبة أظافرهم الشّيطانيّة في رقبته،وحماية لبيته الذي سينسفونه دون ترّدد إن مضت ثلاثون ثانية دون أن يخرج إليهم مستسلماً.
سرعان ما خرج (عبد الله) رافعاً يديه إلى أعلى،وأصابع كفّ يمينه تمسك مصاصة حلوى يشفق أن تقع منه أرضاً، فيخسرها.
أخيراً قبض الجيش الصّهيونيّ على القائد الأعلى للمقاومة،واسمه الطّفل(عبد الله) ذو السّنين السّبع والبنطال الطّفوليّ القصير ومصاصّة الحلوى!

إسعاف

هي ليلة مثل كلّ ليالي الفلسطينيين تحت القصف الصّهيونيّ،هي ليلة وحيدة خائفة يعيشها أهالي المدينة تحت فيضان من النّار والحديد والحصار الخانق.
(هاشم أبو الخير) المسعف يصمّم على أن ينقل المصابين بصحبة طاقمه التّمريضي على الرّغم من استحالة الاستمرار في ذلك تحت وابل جهنميّ من النّيران التي تمطرهم بالموت والنّار والجزع.
سريعاً ما التهم الوابل طاقمه،ولم يعد يملك سوى عزيمته ومقود سيارة الإسعاف التي يقودها،وقد تكدّست بآهات الجرحى والأشلاء التي فقدت أصحابها،وتاهتْ عنهم.
قذيفة هوجاء عتيّة اقتلعت رأسه من فوق جسده،تطاير الرأس بعيداً غير آبه بآلام التّدحرج على حصى مشتعلة،أمّا الجسد فاستمرّ يقود سيارة الإسعاف بإصرار وشجاعة ليوصل المصابين إلى أقرب مستشفى فلسطينيّ.

أُخوة
اعتاد أن يقرأ سورة الملك على نفسه كلما خرج ممتطياً عزمه،شاهراً إباءه،حاملاً بندقيته،مرخّصاً روحه،محقّراً الحياة الذّليلة،ليقاتل عدوّاً واحداً يعرفه جيّداً.
أمّا هذا الصّباح فقد قرأ على نفسه أسفار اللّعنة،وسبّ كلّ من دفعه إلى أن يحمل السّلاح في وجه أخيه الفلسطينيّ.هولا يفهم السّياسة،ويمقتها كثيراً،ويرفض أن يُطلق الموت على صدر فلسطينيّ مهما خالفه الرّأي السّياسيّ أو الفكريّ تحت ألوية صراعات الفصائل الفلسطينيّة المتناحرة على سدانة المراكز والنّفوذ والامتيازات.
رفض أمر القتال أكثر من مرّة،وعندما دُفع دفعاً إلى ساحة نحر الأخ،اعتكف في بيته،وخبّأ سلاحه ورصاصته لأجل عدوّه الصّهيونيّ.

أُبوّة

يحلم منذ سنين بالأبوّة،يريد أن يكون أباً لطفل من زوجته(عزّة)لا من امرأة أخرى،أنفق كلّ ما حصل عليه من مال بكدّ جبينه لأجل إجراء عمليّات التّلقيح الصّناعي على أمل أن يحظى بكلمة بابا في يوم ما.لكن عمليّة التّلقيح تؤول في كلّ مرّة إلى خيبة أمل تجرجر أذيالها الثّقيلة على صدره وصدر زوجته التي تحلم بأن تلد فلسطينيّاً كما تلد النّساء في وطنها الفلسطينيين لأجل النّضال.
ظلّ يحلم بالأبوة،وهي ظلّت تدّخر المال مع زوجها لأجل المزيد من عمليّات التّلقيح الصّناعي.
هجوم جويّ يشنّه العدوّ الصّهيونيّ على المدرسة التي تعمل زوجته فيها محاسبة في القسم الإداريّ يحصد أرواحاً كثيرة،وروح زوجته من تلك الأرواح.
لقد غادرته دون وداع ودون ولد له منها،وجد في حقيبة يدها بعد انقضاء عزائها ورقة تحليل حمل تبشّر بحملها،لقد كانت مؤّرخة بيوم استشهادها،لا بدّ أنّها كانت ستخبره بالأمر فور عودتها من عملها في يوم مقتلها،لقد قتلوها وقتلوا ابنهما في أحشائها،لقد أصبح الآن أبا الشّهيد الذي أغتاله عدوان جويّ في أحشاء أمّه،وحرمه من أن يقول لأبيه كلمة بابا ولو لمرّة واحدة في حياته.

شجرة عائلة

كلّفت معلّمة الرّياضيّات طالباتها الصّغيرات بأن ترسم كلّ واحدة منهنّ شجرة عائليّة واجباً منزليّاً كي يعرفن رياضيّاً بشكل عمليّ معنى التّوالد والتّفرّع.
الطّفلة الفلسطينيّة الصّغيرة رسمت شجرة عائليّة كبيرة بمساعدة أمّها وجدّتها لأبيها وعمّتها وزوجة خالها اللّواتي يسكنّ في بيتهنّ منذ أفقدهن الاحتلال بيوتهنّ وأزواجهنّ الرّاعين لهنّ.
في اليوم الثّاني كانت الطّفلة الفلسطينيّة الصّغيرة الأكثر فخراً بين زميلاتها وهي تحمل شجرة عائليّة تتوافر على أعداد كبيرة من المجاهدين والأبطال والشّهداء والمعتقلين.
اختالت بشجرتها العائليّة،ولم تلجم خيلاءها إلاّ عندما رأت كلّ زميلة من زميلاتها تحمل شجرة مشابهة لشجرتها،ولا تقلّ عنها امتداداً وتفرّعاً وازدحاماً.
عندها رضيت بهزيمة عدم تفوّقها،وجلست في مقعدها بصمتْ،وبرت قلمها الرّصاص،وغدتْ ترسم فروعاً جديدة لأغصان شجرتها،وبدأتْ تكتب بأناة واهتمام أسماء بناتها وأبنائها المنتظرين الذين ستنجبهم في المستقبل ليجعلوا شجرة عائلتها الأكبر تضحية ونضالاً.


شهيد

نذرتْ حياتها وأحزانها وشبابها لتربية سبعة عشر شابّاً وشابة،أحدٌ منهم لم يكن ابنها الذي زُرع في رحمها حتى تكوّن،وغادره ليرى الحياة انطلاقاً منه،فجميعهم أولاد أخواتها وإخوانها الذين ربّتهم في غياب أب شهيد أو أختٍ معتقلة أو بيت هدمه الاحتلال الصّهيونيّ،إلاّ (رمزي) فهو ابنها دماً ولحماً ورحماً،فهو تذكارها النّفيس من زوجها الحبيب الذي ابتلعه النّضال الفلسطينيّ في لبنان،فلم يعد أبداً،قيل لها إنّه حيّ يرزق في إحدى بقاع الدّنيا،يعيش لهدف واحد وهو تدريب أشبال النّضال الفلسطينيّ،لكنّها تعرف أنّه في بطن الأرض لا على وجهها،فلا شيء غير الموت يمنعه من أن يرى ابنه(رمزي) الذي خرج على شاكلة والده شجاعة وطيبة وحبّاً لوطنه.
خرج(رمزي) منذ أيام في عمليّة انتقاميّة من الصّهاينة بعد قتل المستوطنين لخمسة أطفال من بلدتهم،لقد نجحت مهمّة الانتقام،ولكن (رمزي) لم يعد منذ خرج إلى أن أعاده الصّهاينة مكوّماً في كيس بلاستيكيّ أسود،عرضوه على نساء الحيّ كي يكتشفوا هويّته كي ينتقموا من أهله أجمعين كعادتهم،فيعتقلون أهله،وينسفون بيته،ويلقون بأسرته في الشّارع.لكن نساء الحي أنكرن جميعاً معرفتهنّ بهويّته هرباً من انتقام الصّهاينة منهم ومن أهله،لقد اتّفقوا جميعاً منذ زمن على إنكار معرفتهم بأيّ فدائيّ يُستشهد أو يقوم بعمليّة فدائيّة كي ينجو الباقون من بطش الصّهاينة بالضّعفاء والعزّل.
آخر بيت في الحي كان بيت عائلة (رمزي)،عرضوه على أمّه،تحسّست رحمها من فوق بطنها بلوعة،وقالتْ للصّهاينة بكبرياء لا يركع لدمعة أو صرخة فجيعة،ولا يقبل أن يُباد الجميع في لحظة صرخة من قلبها الدّامي:"لم أره من قبل في حياتي،لا أعرفه أبداً،جميعنا هنا لا نعرف من يكون".


عروس البحر

منذ طفولتها كانت تلجأ إلى بحر غزّة تناجيه،وتهمس له،بينها وبينه أسرار وحكايات لا تذاع.لطالما ظنّت أنّها عروس من عرائسه،وأنّها غادرته لسبب تجهله،وسوف تعود إليه في يوم ما لتعيش في ممالكه المائّية الجميلة حيث لا عدو صهيونيّ يقصفها،ولا حصار يخنقها،ولا ظلم أو فقر أو بطالة أو مرض بسبب الاحتلال الصّهيونيّ يهصرها.
اسمها (حوريّة) على اسم جدّتها لأبيها،وهذا الاسم يؤكّد لها أنّها من سلالة عرائس البحر لا من سلالة الإنس.تختال بلا تردّد على صديقاتها بأصولها المائيّة التي تفترضها،وصديقاتها يقبلن أكاذيبها وأوهامها مادامتْ ستغني لهنّ ما يطلبن من أغانٍ داثرة بصوتها الحنون العميق كهدير بحر دافئ في ليلة صيفيّة.
لم تكن عند حبيبها البحر عندما بدأت طائرات العدوّ الصّهيونيّ تقصف حيّها والأحياء المحيطة به دون رحمة،بل كانت في السّوق المتاخم له،المباني التي هبطت أرضاً وأشلاء القتلى من شعبها الفلسطينيّ أوصدت أمامها دروب العودة إلى بيتها،لم تجد أمامها سوى درب البحر لتسلكه.
كانت جريحة بشظايا أصابتها في جسدها دون قدميها،ولكنّ الخوف نفث فيها قوّة لا تفتر تدعوها للهروب إلى حبيبها البحر،كان الطّائرات توغل في قصف المباني والشّوارع وكلّ ما يتحرّك أو لا يتحرك،وهي تطير أمامها كريشة صغيرة في مهبّ عاصفة جهنّميّة.
ما كادت تصل إلى البحر الذي يضطرب سطحه بأزيز الطّائرات حتى أصابتها قذيفة صهيونيّة هدرتها أشلاء صغيرة،ما شعرتْ بألم،وفاضتْ روحها كزبد بحر،لقم البحر الباقي من فتات جسدها،وابتلعه،وغار به إلى أعماقه ليدفن عروسه الجميلة في أحشائه الحنونة بعيداً عن العدوّ الصّهيونيّ الذي اغتال عروسه الجميلة ذات الصّوت الرّنان الحنون.

جدار

هذا الجدار العنصريّ العازل حرمه من مدرسته التي يحبّها،نقله والده إلى مدرسة أخرى في ظاهر مدن الجدار الفاصل،لكنّه يصمّم على أن يذهب إلى مدرسته التي يحبّها،يتأبّط كتبه،وييمّم نحو مدرسته القابعة خلف الجدار،ويناجي مدرسته،وعندما ييأس من سماع أيّ ردّ منها يقرّر أن يخترق الجدار العازل،يدفعه الجنود الصّهاينة بعيداً عن بوابة العبور المدجّجة بالحرس والسّلاح والكلاب،لكنّه يأبى أن يبتعد عن البوّابة،يطلق الجنود كلابهم المسعورة عليه لتنهش لحمه البضّ الطّري دون رحمة،تقطع الكلاب بأنيابها النّجسة مزقاً من لحمه،تغادره الحياة مسلولة من بين قطع لحمه المنثورة أرضاً،ويظلّ يحلم بأن يعبر بوابة الجدار العازل ليذهب إلى مدرسته التي يحبّها.



خُرّافيّة( )

لا تصدّق جدّتهم أنّ جدّهم (أبا حسن) قد خرج يوماً في أيام الموت الفلسطينيّة،ثم لم يعد حتى هذه اللّحظة،بحثت عنه لسنين دون فائدة،وكي لا تطير مجنونة في الشّوارع،فتضيّع أبناءها يتماً وجوعاً وغربة ووحدة قرّرتْ أن تحفظ عقلها عليها،لكنّها ظلّت تروي للجميع (خرّافيّة أبي حسن).
ظلّت تروي لأبنائها وحفدتها (خرّافيّة أبي حسن)،وظلّوا يسمعونها دون ملل،فـ(أبو حسن) كان فارس الفوارس الذي يقاتل الصّهاينة في كلّ مكان،ولا يموت،الجميع آمن بـ(خرّافيّة أبي حسن)،وظلّوا ينتظرون عودته كي ينقذهم من عذابهم،لقد كبروا وهم ينتظرون عودة الأب الجدّ الذي لا يؤوب.
بعد ثلاثين عاماً عاد الجدّ(أبو حسن) كوماً من العظام في كيس قطني أبيض بعد أن أفرج الصّهاينة عن رفاته،دفنه الأبناء والحفدة في عزاء مهيب حضره كلّ من كان يحفظ (خرّافيّة أبي حسن)،ثم عادوا إلى بيت العائلة ليسمعوا الجدّة تروي لهم خرّافيّة جديدة من (خرّافيات أبي حسن).

عانس

لم تعدْ تحلم بذلك الفارس الورديّ الذي يطرق مخيّلات النّساء وأحلامهنّ وأسرارهنّ قبل أن يسكن نوافذ قلوبهنّ المشرعة على انتظار شوكيّ ينخز صبرهنّ واحتمالهنّ.
حلمها الوحيد الغائر في روحها هو أن ترى من خلف نافذة غرفتها مآذن المسجد الأقصى وقبابه،وأن تسمع منها صدح الآذان والتّكبيرات.
حبّها لمدينة القدس حيث وُلدت وأفراد عائلتها قد تفوّق في نفسها على حبّ الرّجل والنّسل والحياة ذاتها.
لم تجد في القدس الرّجل الذي تحلم بالزّواج منه،وكي تبحث عنه خارج مدينتها كان عليها أن تخاطر بهويّة إقامتها الدّائمة التي تسمح لها بالإقامة في المدينة؛فالقيود التي يفرضها الصّهاينة على عرب مدينة القدس تجعلهم يعيشون في سجن كبير إن خرجوا منه لا يمكنهم العودة إليه،وإن أحبّ أحدهم آخر خارج المدينة في الضّفة الغربيّة أو خارج فلسطين فهذا يعني أن يخسر للأبد هوية إقامته الدّائمة في القدس.
في إحدى زياراتها القليلة إلى إحدى العواصم العربيّة عشقت فلسطينيّاً يحمل جنسيّة عربيّة،ولكنّها ضحّت بحبّها له كي تطير عائدة إلى مدينة القدس،ولا تخسر إقامتها فيها ما دام من سابع المستحيلات أن تحصل له على هوية أو تصريح إقامة دائمة في مدينتها إن تزوّجا.
ذلك الشّاب الفلسطينيّ الذي يعيش في الشّتات كان حبّها الأوّل والأخير في الحياة،لكن حبّها الفطريّ لمدينة القدس قد انتصر على حبّها الآدمي الخالد لحبيبها المهجّر البعيد.
لقد ولّى في طريقه خائب الأمل بعد أن رفضت الزّواج به،وسرقته الدّروب بعيداً عنها،كما سرقت السّنون شبابها وآمالها وأحلامها،لكن لا أحد استطاع أن يسرقها من حبّها لمدينة القدس التي لا تستطيع أن تعيش بعيداً عنها حتى لو كان ذلك لأجل أن تعيش في حضن فارس أحلامها الذي حظي بعشقها.


قُرعة

القصف الصّهيونيّ مستمرٌّ منذ أيام طويلة تجاوزت الشّهر ونيف،وهي وأطفالها جياع في شهر رمضان المبارك كما أهل غزة جميعهم جياع في هذا القصف المحاصر لهم،أُعلن منذ لحظات عن هدنة لمدة ساعتين،هذه فرصتها كي تخرج لإحضار بعض الخضار والخبر لإطعام أبنائها الأربعة التي يعيشون معها منذ هجرها زوجها.
ابنها الكبير الذي لم يتجاوز عمره الثّلاثة عشر عاماً يصمّم على أن يخرج بنفسه لشراء الطّعام المطلوب لأنّ موته في حالة حدوث اختراق للهدنة هو المصيبة الأقلّ على إخوانه من فقد أمّهم إن اغتالتها الرّصاصات،وهي تصمّم على الخروج وشراء الطّعام المطلوب لأنّ موتها أهون عليها من أن تراه مقتولاً في إحدى الطّرقات.
يطول الجدال بينهما،ويتّفقان على أن يقترعا على من يخرج منهما لشراء المطلوب،يكتب كلّ منهما اسمه على ورقة صغيرة مربّعة،ويرميان الورقتين على طاولة المطبخ بعد طيّهما بشكل متماثل،الابنة الصّغيرة تختار ورقة من الورقتين كيفما اتّفق،تقرأ الأم الاسم المكتوب على الورقة المُنتقاة،إنّه اسم ابنها المكتوب فيها،تطوي الورقة على عجل قبل أن تتسلّل إليها عينا ابنها،وتمزّقها،وتدسّها في جيبها،وتقول لأولادها بصرامة:"لا داعي لخروج أحدنا،لا يزال عندنا بعض العدس المطحون،ما رأيكم أن نصنع حساء عدس لذيذ؟".

بواسطة : rasl_essaher
 0  0  469